في دروس اللغة العربية، كنا نخشى أن نخطئ في التمييز بين الفعل المبني للمعلوم والفعل المبني للمجهول. كان المعلم يسأل: أين الفاعل؟ ولماذا حُذف؟ وكنا نبحث عنه بين الكلمات، وكأن وجوده ضرورة لا يستقيم المعنى إلا بها.

لكننا حين خرجنا من قاعة الدرس إلى الحياة، بدا الأمر مختلفًا.

أصبحنا نتقن البناء للمجهول أكثر مما نتقن البناء للمعلوم.

فنقول:

ارتُكبت الأخطاء.

ولا نقول: من ارتكبها؟

ونقول:

ضاعت الحقوق.

ولا نسأل: من أضاعها؟

ونقول:

انكسرت الثقة.

وكأنها سقطت وحدها، لا بيدٍ كسرتها، ولا بكلمةٍ جرحتها، ولا بموقفٍ خذلها.

في اللغة، يُحذف الفاعل لأسبابٍ بلاغية أو لغوية، أما في الحياة، فكثيرًا ما يُحذف هربًا من المسؤولية.

نُخفي الفاعل لأن الاعتراف أثقل من الإنكار، ولأن مواجهة الحقيقة أصعب من الاحتماء بالمجهول.

ولهذا لم تعد المشكلة أن نبني الجملة للمجهول، بل أن نبني ضمائرنا عليه أيضًا.

ولم يقتصر الأمر على حديثنا اليومي، بل أصبح أسلوبًا نتعامل به مع كثير من تفاصيل حياتنا.

فعندما يتعثر مشروع، نقول: لم يُكتب له النجاح، وكأن الفشل هبط من السماء، لا نتيجة قرارٍ متعجل، أو تخطيطٍ ناقص، أو إهمالٍ كان يمكن تداركه.

وعندما تتصدع علاقة، نقول: ساءت الأمور، وكأن الأمور وحدها هي التي تغيرت، لا كلمةً قيلت في لحظة غضب، ولا وعدًا أُخلف، ولا اهتمامًا انطفأ حتى ذبلت العلاقة.

لقد أصبح المجهول في كثير من الأحيان وسيلةً مريحة لتخفيف وطأة الحقيقة، حتى غدا الفاعل آخر من نبحث عنه.

ولعل السؤال الذي يستحق التأمل ليس: لماذا نحذف الفاعل من الجملة؟ بل: لماذا نرغب في حذفه من حياتنا؟

ربما لأن الإنسان يجد في المجهول راحةً مؤقتة، ويظن أن إخفاء المسؤولية يخفف من ثقلها. فالاعتراف بالفعل يعني الاعتراف بالنتيجة، والاعتراف بالخطأ يفتح باب الاعتذار، وربما يفرض علينا إصلاح ما أفسدناه. أما حين يصبح الفاعل مجهولًا، فإن الضمير يجد لنفسه مساحةً أوسع للمراوغة، وكأن الكلمات تستطيع أن تعفي الإنسان من تبعات أفعاله.

لكن الحقيقة أن حذف الاسم لا يحذف الأثر، كما أن تغيير صياغة الجملة لا يغيّر الواقع. فالأشياء لا تنكسر وحدها، والحقوق لا تضيع وحدها، والثقة لا تموت من تلقاء نفسها. لكل نتيجة سبب، ولكل أثر يدٌ امتدت إليه، وإن اجتهدنا في إخفائها خلف الألفاظ.

والأعجب من ذلك أننا لا نبني كلامنا للمجهول مع الآخرين فحسب، بل نبنيه مع أنفسنا أيضًا.

فنقول:

لم يحالفني الحظ.

ولا نسأل:

هل بذلت كل ما أستطيع؟

ونقول:

ضاعت الفرصة.

ولا نعترف أننا تركناها تمر ونحن نؤجل القرار.

ونقول:

لم يتحقق الحلم.

بينما الحقيقة أن الحلم بقي في مكانه، أما نحن فكنا أول من ابتعد عنه.

فكم من قرارٍ نُسب إلى الظروف، وكان صاحبه هو من اختاره.

وكم من علاقةٍ قيل إنها انتهت، بينما الحقيقة أن أحدهم أهملها حتى ماتت.

وكم من حلمٍ وُصف بأنه لم يكتمل، بينما لم يمنحه صاحبه يومًا فرصةً حقيقية ليبدأ.

وهكذا يتحول البناء للمجهول من قاعدةٍ لغوية إلى فلسفةٍ خفية، لا تغيّر الألفاظ فحسب، بل تغيّر نظرتنا إلى أنفسنا. فنحن لا نحذف الفاعل من الجملة فقط، بل نحاول أحيانًا حذفه من ذاكرتنا، ومن ضمائرنا، ومن الرواية التي نحكيها لأنفسنا كلما أخطأنا.

غير أن الحياة لا تشبه كتب النحو.

ففي اللغة، قد يُحذف الفاعل ويبقى المعنى مستقيمًا.

أما في الحياة، فلا يُحذف الفاعل، بل قد يتأخر اكتشافه. قد يغيب اسمه عن الألسنة، لكنه لا يغيب عن الضمير، ولا عن ذاكرة الأيام، ولا عن النتائج التي يتركها خلفه.

قد ينجح الإنسان في إقناع الآخرين بأن الفاعل مجهول، لكنه نادرًا ما ينجح في إقناع نفسه.

لعل أجمل ما تعلمنا إياه اللغة أن لكل فعلٍ فاعلًا، وإن غاب اسمه من الجملة.

أما الحياة، فلا تنخدع بحذف الأسماء؛ فهي تعرف فاعليها، وتحفظ آثارهم، وتعيد إليهم نتائج أفعالهم ولو بعد حين.

وربما لم يكن معلم اللغة يريد منا أن نعرف كيف يُبنى الفعل للمجهول فحسب، بل كان يريد، دون أن يقولها، أن ندرك قيمة الفاعل، وأن نفهم أن المسؤولية لا تسقط بتغيير الصياغة.

وعندما غادرنا الفصل، حفظنا القاعدة… لكن كثيرًا منا نسي الدرس.

ولذلك، ليس السؤال الأهم: هل نبني الجملة للمعلوم أم للمجهول؟

بل: هل نملك الشجاعة لأن نقول: أنا فعلت حين نحسن، وأنا أخطأت حين نزل؟

فالإنسان لا يكبر حين يُحسن تبرير أخطائه، بل حين يمتلك شجاعة الاعتراف بها، ويواجه نتائج أفعاله قبل أن يبحث عن أعذارها.

فاللغة قد تسمح لنا أن نبني الفعل للمجهول… أما الحياة، فهي لا تحذف الفاعل، وإنما تؤجل ظهوره.