في يوم عرفة…
يحدث شيءٌ لا يشبه الأيام الأخرى.
يصغر العالم فجأة،
وتتراجع ضوضاؤه،
وتبدو الأشياء التي أثقلت الإنسان طوال عمره… أقلَّ أهمية.
هناك،
لا يسأل الناس عن أسمائهم،
ولا أوطانهم،
ولا ما يملكونه.
كل ما في المشهد…
أرواحٌ جاءت مثقلة،
وتبحث عن الطمأنينة.
في ذلك البياض الممتد،
تسقط الفوارق بهدوء.
لا أحد أعلى من أحد،
ولا شيء يسبق الدعاء.
لغاتٌ مختلفة،
ووجوهٌ جاءت من أقصى الأرض،
ومع ذلك…
يبدو الجميع وكأنهم يتحدثون لغةً واحدة:
الرجاء.
وفي يوم عرفة…
لا تقف الروحانية عند حدود الواقفين هناك فقط.
حتى أولئك الذين يتابعون المشهد من خلف الشاشات،
يشعرون بأن شيئًا ما يتحرك في الداخل.
فما إن تنقل الكاميرات ذلك المشهد المهيب،
وتظهر الجموع البيضاء تحت السماء،
وترتفع أصوات التلبية والدعاء،
حتى يخفت صخب الحياة للحظات.
هناك من يُخفض صوت التلفاز احترامًا،
ومن يرفع يديه دون أن يشعر،
ومن يطيل النظر بصمتٍ كأنه يبحث عن نفسه بين تلك الوجوه.
كأن الأرواح…
تعرف الطريق إلى عرفة،
حتى وإن بقيت الأجساد بعيدة.
ربما لهذا يشعر كثيرون في ذلك اليوم
بخفّةٍ لا يعرفون مصدرها،
وبطمأنينةٍ تمرّ على القلب بهدوء.
ففي عرفة…
لا يُنقل المشهد بالكاميرات فقط،
بل تُنقل معه رهبة المكان،
وخشوع الدعوات،
وذلك الشعور العجيب
بأن السماء أقرب من المعتاد.
وفي ذلك اليوم تحديدًا…
يصغر العالم فعلًا.
تصغر خلافاته،
وهمومه،
وصراعاته،
أمام ملايين القلوب التي رفعت رجاءها إلى الله دفعةً واحدة.
ويبقى الإنسان،
كما خُلق أول مرة:
روحًا تبحث عن الرحمة.







التعليقات
اترك تعليقاً