أهلًا وسهلًا بالصيام
أهلاً وسهلاً بالصيام، رمضان شهر مبارك وهو سيد الشهور، مرحباً بضيفٍ عزيز يزور الأرواح فيطهرها ، ويحلّ في القلوب فيعمرها ، "أهلاً وسهلاً بالصيام" ليست مجرد عبارة ترحيب، بل هي إعلان حالة حب ، حبّ لترتيل القرآن في هدوء الأسحار ، وحبّ لاجتماع العائلة على مائدة الإفطار ، وحبّ لذاك السكون الذي يلفّ الروح وهي صائمة عن كل ما يكدّر صفوها.
أهلاً بشهرٍ تفوح الأرض عطراً بهجةً بقدومه ، ويستبشر البشر بفتح أبواب السماء والجنان ، أهلاً برمضان ، محطة الغسيل الروحي ، وفرصة العمر المتجددة لنبدأ صفحة جديدة مع الله ومع أنفسنا ، أهلاً بمدرسة الصبر ، وبوابة الشكر ، أهلاً بالليالي المباركة ، أهلاً بالقرآن ربيع القلوب، أهلاً بصلاة التراويح، ودعوات الوتر.
هذا الضيف الكريم الذي يطرق أبوابنا كل عام نفرح ونبتهج جميعاً بقدومه علينا ، ومن السنة أن يبشر بعضنا بعضاً بقدومه فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه رضي الله عنهم بقدوم الشهر ويقول: (جاءكم شهر رمضان، شهرٌ مباركٌ، شهرٌ تُحطُّ فيه الخطايا، ويُجاب فيه الدعاء، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإنَّ الشَّقي مَن حُرم رحمة الله) ، ويقول عليه الصلاة والسلام: (مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، ومَن قامه إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه).
حين نرحب بالصيام، نحن لا نرحب بموسم عادي أو عادة اجتماعية ، بل نستقبل مدرسة روحية متكاملة تعيد صياغة وبناء الإنسان من الداخل ، وتنزع عنه غبار المادية الذي تراكم طوال العام ، إن الصيام هو "رجيم الروح" الذي يخلصها من سموم الأنانية ، حيث يكسر الإنسان فيه كبرياء نفسه ، ويذوق بمرارة الجوع حقيقة الضعف البشري ، فيشعر بآلام الفقراء والمساكين والمحتاجين ويستشعر قيمة النعم ، هذا الشهر هو زمن "السكينة الكبرى" ؛ ففيه تصمت ضوضاء الدنيا لتتكلم لغة القرآن ، وتكفّ الجوارح عن اللغو لتنشغل بالذكر ، فهو فرصة لاستعادة السيطرة على الذات.
الصيام هو تدريب عملي على قوة الإرادة ؛ فمن استطاع أن يمتنع عن المباحات من طعام وشراب امتثالاً لأمر خالقه، فهو على ترك المحرمات والآثام أقدر وأقوى ، الصيام ليس حرماناً ، بل هو تحرر من عبودية العادة ، وسفرٌ عميق نحو الذات لتنقيتها مما علق بها من شوائب الغفلة.
رمضان شهر لزيادة الإيمان وليس شهراً لزيادة الأوزان.
إن الصيام الحقيقي هو صوم القلب عن العداوة والغل والحقد والحسد وقطيعة الرحم ، وصوم اللسان عن الغيبة والزلل ، وصوم العين عن النظر الحرام ، لتتحول ساعات النهار إلى خلوة مع الله، وساعات الليل إلى معراج سماوي في رحاب التراويح والقيام ، ما أجمل أن تشرق شمس رمضان على أرواحٍ لم تكتفِ بتغيير مواعيد طعامها وشرابها ، بل عقدت العزم على تغيير مسار حياتها ، فتخرج من الشهر بقلبٍ سليم ، ونفسٍ مطمئنة ، وإيمانٍ أشد وثاقاً ، لتصبح كل لحظة في نهار الصائم تسبيح وتهليل واستغفار ، وكل سجدة في ليله معراجاً نحو السماء ، يا له من فضل عظيم أن يمنحنا الله محطة إيمانية سنوية نغسل فيها قلوبنا ، ونبدأ فيها صفحة بيضاء، ونستلهم من جوعنا قوةً ، ومن عطشنا رياً للإيمان ، فما أجمل أن تشرق شمس رمضان على أرواحٍ عقدت العزم على التغيير، وقلوبٍ امتلأت حباً وشوقاً للقاء الله بقلب سليم.
اجعل شعارك في هذا العام: "رمضان مختلف" ، لا تجعله مجرد تغيير في مواعيد النوم والأكل والشرب ، بل اجعله حياة لقلبك ، عاهد نفسك على ترك ذنب ، وبدء طاعة ، وجبر خاطر إنسان ، فخير الناس أنفعهم للناس.
وقفة:
يا باغي الخير أقبل هذا أوانك لتغتنم القرب وتشدّ الوثاق مع القرآن ، وتجعل من صيامك بوابتك الكبرى نحو العتق والرضوان ، اللهم بلغنا رمضان وبارك لنا فيه ، وأعنّا على صيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيك عنا.




