خطبتا الجمعة من المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف

الرياض
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور أسامة بن عبدالله خياط، المسلمين بتقوى الله والخشية من يوم يعرضون فيه على الله، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.
وقال فضيلته: عندما تُحدِق الأخطار، وتعظم الخطوب، ينظر أولو الألباب إلى النشء نظر أصحاب الثروات إلى ثرواتهم، فيرون لزامًا عليهم، المسارعة إلى سلوك كل سبيل يبلُغُون به ما يريدون من الحفاظ عليهم والذب عنهم، بما يحفظ الحوزة ويرد الغائلة، ويدفع الصولة فإن في الحفاظ على شباب الأمة أعظم الآثار في صيانة كيانها، وإعلاء صروح نهضتها، لتأخذ مكانها اللائق بها بين الأمم ولتكون كما أراد الله: (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).
وأوضح الشيخ أسامة خياط أن للصاحب أو الجليس، أثره العميق في نفس صاحبه وجليسه، فإن من الحكمة البالغة الاحتياط في أمره، والتريث في وصل حبل وُدّه، حتى تُبلى أخباره، ويتميز معدنه، ويُوثَق بدينه وخلقه، وقد عبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذا أبلغ تعبير، فقال في مقام التبصير والتحذير: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه واللفظ له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وأشار فضيلته إلى أن المجالسة يجب أن تكون خالصة لوجه الله، نقية من الأغراض بعيدة عن الأهواء، بأن تنشأ وتنمو في رحاب الإيمان، محكومة بسلطان العقيدة، بما فيه من أوامر ونواه يستوحيها المؤمن في كل اتجاهات قلبه، وحركات وسكنات جوارحه، هنالك يرتقي بحبه أهل الخير والصلاح فوق منزلته في الدار الآخرة درجات، فيلتحق بمن أحب وإن لم يعمل مثل عمله، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب".
وأكد فضيلته أن تطور وسائل العصر، لا سيما في مجال الإعلام بشبكات معلوماته وقنواته، وما اشتملت عليه من مواقع تواصل وغيرها، له أثره في الانتقال بمعنى المجالسة والمصاحبة إلى معان جديدة، وأضحى لهذه المجالسة التي تكون عبر هذه الوسائل من قوة التأثير ما يربو على غيرها لاتساع دائرة استخدامها، وتنوع وتعدد ثقافات ومشارب مُستخدميها، وهذا يفرِض مسؤولية مضاعفة على عاتق الآباء والأمهات، والعلماء والدعاة، والمربين والمربيات، في سبيل الحفاظ على شباب وفتيات الأمة وتحصينهم.
واختتم فضيلته أن من أظهر صفات الجليس الصالح وأجلها وأقواها أثرًا القلب السليم الذي ينتفع به صاحبه في دنياه، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "الذي سلم من كل شهوة تُخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شُبهة تُعارِضُ خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله -صلى الله عليه وسلم -، فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه، والذل له وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق".
كما أوصى فضيلة إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور أحمد بن علي الحذيفي، المسلمين بتقوى الله وخشيته، مبينًا أن التقوى سبب لانشراح السرائر، ونور تنفتح منه البصائر، وأن أهل التقوى بجنة الدنيا ينعمون، وفي معية الله يتقلبون، مستشهدًا بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ).
وقال: "إن المقصد الذي أجمع العقلاء على السعي في سبيله، واتفقوا على اختلاف منازعهم وتفاوت طبائعهم على تحصيله، هو تحقيق طمأنينة القلب وسكينة النفس التي بها تكون الحياة الطيبة والعيشة الراضية، وكم تنكّب كثير من الخلق سبيل ذلك، وكم تطوّحوا في تلك المسالك، ولكننا نجد أن الله سبحانه في تنزيله يدلنا على سبيل تحقيق تلك الغاية في قوله جل شأنه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)".
وأوضح فضيلته أن سعادة المرء وسروره وطمأنينة نفسه وانشراح صدره لا تتحقق بالمظاهر الدنيوية المجرّدة، ولا بالماديّات الزائلة، وإنما تتحقق بعمارة القلب بتوحيد الله حق توحيده، والإيمان به، وباستقامة الجوارح على العمل الصالح وامتثال هدي الله، فبذلك تزكو النفس وتسمو، مستشهدًا بقوله ــ عليه الصلاة والسلام ــ (ليس الغِنى عن كثرة العرض، ولكنَّ الغِنى غِنى النفس).
وأشار الدكتور الحذيفي في تفسير قوله تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ)، إلى أن الله سبحانه قد جمع في القرآن العظيم أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، وأسرار السرور في الدارين، فهو حياة للقلوب، وطمأنينة للنفوس، ونعيم للحياة، وراحة للأرواح.
وأضاف أن الحياة مع القرآن تلاوةً وتدبرًا وعلمًا وعملًا، هي النعيم الحق الذي يتضاءل أمامه كل نعيمٍ دنيوي، فالمؤمن حين ينهل من معين ذكر الله، يرتوي قلبه طمأنينة، وتفيض روحه سكينة، مصداقًًا لقوله تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
وقال فضيلته: "إن الحياة الطيبة أثر من آثار اتصال القلب بخالقه، وامتلائه بتوحيده، واعتماده عليه، وسكونه إليه، ورضاه بقسمته، وغناه به عن خلقه، فتوحيد الله حق توحيده، وكمال توجه القلب إليه وحده في كل حال هو أعظم أسباب أمنه وسكينته، وأجلّ أسرار انشراحه وطمأنينته، حين تمور عواصف المتغيّرات، وتضطرب أمواج المكدّرات".
وبيّن إمام وخطيب المسجد النبوي أن السعادة معنى كامن وشعور باطن، لا تُرى بالألحاظ، ولا تُوصف بالألفاظ، ولا تُشترى بالأموال والمتاع، لكنها تظهر من خلال آثارها الظاهرة وأنوارها الباهرة، التي يجدها المؤمن متجلية في مشاعر السكينة ورضا النفس، وغناها وطمأنينتها وسرورها.
وأكد فضيلته أن المؤمن حين يتدبر القرآن ويتأمل معانيه يجد أن الإسلام ينبذ إهمال مظاهر الحياة وأسبابها المادية، وأنه ليس دينًا معزولًا عن واقع الحياة ومباهجها، بل يجعل تلك المظاهر وسائل وأسبابًا لا تتحقق بها سعادة المرء بمجرّدها، مبيّنًا أن السعادة الحقيقية تتحقق بالإيمان بالله، والصدق، والعمل الصالح، مع التمتع بما أحل الله من مباهج الحياة دون غفلة عن المقاصد والغايات.
وبيّن فضيلته في ختام الخطبة أن على المؤمن أن يكون جامعًا بين التعلق بالله وتوحيده وعبوديته، وبين الأخذ بأسباب الحياة والاستمتاع بالمباح من مظاهر الدنيا، في منهج رباني كامل، وتشريع إلهي شامل لمقتضيات الحياة وإيفاء النفس حقها، مع ربطها بخالقها، وتذكيرها بمصيرها وحياتها الآخرة الدائمة.






