في أحد الأيام، كنت أعبر احد الشوارع الهادئة ، حينها لفت نظري منزلٍ متهدم، تآكلت جدرانه وتشقق طلاؤه وكأن الزمن مرَّ عليه مراتٍ لا تُحصى كانت جدران ذلك المنزل متهالكة وكأنها تروي حكاية صمودٍ طويل لكن ما استوقفني حقًا لم يكن جدران المنزل المنهارة، بل ذلك الباب العتيق الذي كساه الصدأ ، وأحكمت إغلاقه سلسلةٌ من الحديد انتهت بقفلٍ كبير، وقفت أمامه برهةً اتأمل، لا أدري كم من الوقت استغرقتها تلك الوقفة،

لم يكن الباب هو ما يشدني، وانما ذلك الصمت الذي يحيط بالمكان. صمتٌ غريب، كأن وراءه أصواتًا اختبأت ولم تمت، وضحكاتٍ كانت تملأ المكان، وخطواتٍ صغيرة كانت تركض في فناءه، ثم ابتلعها الزمن. سألت نفسي بتأمل: كم إنسانًا عاش خلف هذا الباب؟ كم طفلًا كبر بين تلك الجدران؟ كم أمٍّ انتظرت عودة غائب، وكم أبٍ عاد متعبًا يحمل لأبنائه لقمة العيش؟ وكم مناسبةٍ ازدانت فيها أركان المنزل بالفرح، وكم ليلةٍ سالت فيها الدموع بصمت؟
إن البيوت ليست حجارةً وأسقفًا وأبوابًا، بل أوطانٌ صغيرة تسكنها الأرواح قبل الأجساد. لكل بيت نبضه الخاص، ورائحته التي لا تشبه سواها، وأحاديثه التي لا يسمعها إلا من عاش بين جدرانه. فإذا هُجر البيت، بقيت الذكريات عالقة في زواياه، كأنها ترفض الرحيل، وظلت الجدران تحفظ أسرار ساكنيها كما يحفظ الصندوق القديم أثمن ما أودعه أصحابه.

وما أكثر الأبواب العتيقة التي نعبرها دون أن ندرك أنها تخفي خلفها رواياتٍ لم تُكتب، وحكاياتٍ لم يروها أحد. أبوابٌ شهدت ولادة الأحلام، وانكسار الأمنيات، ووداع الأحبة، وعودة الغائبين. وربما شهدت آخر نظرةٍ ألقاها صاحب المنزل على منزله قبل أن يغادره إلى غير رجعة، تاركًا خلفه قطعةً من روحه بين الجدران.

إن الزمن لا يهدم البيوت وحدها، وانما يغيّر وجوه المدن، ويبدّل أهلها، ويمحو أسماءً كانت يومًا تملأ المكان حياةً. غير أنه يعجز عن محو الأثر الذي تتركه الأرواح في الأماكن. فكل حجرٍ يحمل بصمة يدٍ بنته، وكل نافذةٍ تعرف ملامح من كان يقف خلفها ينتظر، وكل بابٍ قديم ما زال، رغم صدئه، يقف شامخًا كحارسٍ أمين لذاكرةٍ لا تريد أن تُنسى.

وربما لهذا السبب تستوقفنا البيوت المهجورة والقديمة أكثر مما تستوقفنا القصور العامرة؛ لأنها تذكرنا بحقيقةٍ لا مفر منها، وهي أن الإنسان راحل، وأن ما يبقى بعده ليس صوته ولا صورته، بل أثره في المكان، والذكريات التي نسجها بين جدرانه.

غادرت مكان ذلك المنزل كما جئت، لكن شيئًا مني بقي واقفًا أمام بابه الصدئ ولم يغادر.

أدركت يومها أن خلف كل بابٍ عتيق قصةً تنتظر من يصغي إليها، وأن بعض الأماكن، وإن سكنها الصمت، تظل أكثر حديثًا من ضجيج المدن كلها. فالأبواب القديمة لا تُغلق على الفراغ، بل تُغلق على أعمارٍ كاملة، وعلى قلوبٍ أحبت، وأحلامٍ وُلدت، وأيامٍ مضت، ثم سلمتها للزمن، ليبقى وحده أمينًا على الحكايات التى لم تُروَى.