تمر منطقتنا العربية والإسلامية بمرحلة حرجة من تاريخها، حيث تنهش النزاعات الداخلية جسد الأمة، ولعل السودان الجريح اليوم يمثل أصدق وأقسى تعبير عن هذا الألم. حرب داخلية دمرت الأخضر واليابس، تسببت في انهيار شبه كامل للاقتصاد، وشلل تام في قطاعي الصحة والتعليم، وملايين النازحين واللاجئين الذين يواجهون مصيراً مجهولاً.

​أمام هذه المأساة، يقف العالم في حالة “جمود سياسي” غريب؛ تكتفي المنظمات الدولية ببيانات “القلق الشديد” و”الاستنكار اللفظي” الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وكأن أقصى ما يمكن للسياسة العالمية فعله اليوم هو الوقوف في مقاعد المتفرجين.
​حين يعجز “الاستنكار”: أين الحل؟

​في ظل هذا الغياب الفعال للتدخل الدولي المنقذ، برزت مبادرات صادقة ومستمرة من دول قليلة آثرت ألا تقف مكتوفة الأيدي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي قادت -ولا تزال- جهوداً دبلوماسية وإنسانية حثيثة لتقريب وجهات النظر ومحاولة ردم الصدع لإنقاذ الشعب السوداني. لكن الواقع يؤكد أن نجاح الحل لا يمكن أن يقع على عاتق دولة واحدة مهما بلغت قوتها وتأثيرها. الأزمات المعقدة تتطلب تكاتفاً دولياً وإرادة حقيقية وصادقة لإنهاء الصراع.

​”إن الأزمات الإسلامية الداخلية لم تعد بحاجة إلى لجان تقصي حقائق، بل إلى قوة تنفيذية على الأرض تحمي الأبرياء وتفرض مسارات السلام.”

​من هنا، تنبع الحاجة الملحة اليوم إلى فكرة استراتيجية تتجاوز الحلول المؤقتة: تأسيس قوات حفظ سلام إسلامية مشتركة.
​خريطة طريق لقوة رادعة ومستقلة

​إننا لا نتحدث هنا عن تحالف عسكري عابر، بل عن منظومة أمنية متكاملة ومستدامة تقوم على الركائز التالية:

​الاتفاق الشامل: أن تحظى هذه القوات بغطاء شرعي وتوافق مطلق من جميع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.

​التدريب الاحترافي: إعداد وتدريب هذه القوات وفق أعلى المعايير الدولية للتعامل مع الحروب الأهلية، وفض النزاعات، وحماية المدنيين والممرات الإنسانية.

​الميزانية المستقلة: تخصيص ميزانية ذاتية ودائمة تمولها الدول الأعضاء، لضمان سرعة الحركة والاستجابة دون انتظار تمويل خارجي أو مساومات سياسية دولية

​الخيار الأخير لإنقاذ المستقبل

​إن بقاء أزماتنا رهناً بـ “الڤيتو” الدولي أو المصالح الجيوسياسية للقوى الكبرى يعني استمرار نزيف الدم في السودان، واليمن، وغيرهما. لقد حان الوقت لتتحمل الأمة الإسلامية مسؤوليتها تجاه أمنها القومي