ذهبتُ ذات يوم محملة بوقار التعازي إلى مجلس عزاء لأداء واجب إنساني نبيل، وهو مواساة أهل الفقيدة ومشاطرتهم أحزانهم في مصابهم الجلل. فمجالس العزاء ليست مجرد تجمعات اجتماعية عابرة، بل هي مواطن للمواساة الصادقة، ومواقف تُختبر فيها مشاعر التعاطف والرحمة، حيث يحضر الناس لتخفيف وطأة الحزن عن أهل المصاب، لا لإضافة أعباء جديدة إلى ما يثقل قلوبهم.

لكن، وثمة “لكن” تنغص دائمًا صفو المواقف، فبينما كنت أجلس في هدوء أتأمل ما حولي شهدتُ مشهدًا خرج عن مألوف اللياقة، وخرق بروتوكول الحزن الإنساني. فبينما كان الوجوم يلف المكان، والجميع يقبع في ركن الأسى بهدوء وسكينة، برزت امرأة يمكن تصنيفها بأنها تجسيد حي لـ “التطفل الأعمى” وحب الظهور الفج في غير موضعه.

كانت حركة هذه المرأة في المكان تشبه العاصفة الترابية وسط واحة من الهدوء. لم تستطع أن تلزم مجلسها، ولم يهدأ لها بال؛ فكانت تتنقل بين الحاضرات بلا هدى، تزيح من على الطاولات ما وضعه أهل العزاء من ماء أو قهوة برعونة، وتفرض خدماتها بأسلوب فج يخلو من اللطف، وكأنها نُصِّبت قسرًا قيمةً على أحزان الآخرين.

ولم يقف الأمر عند حدود الحركة المستفزة، وإنما تجاوزته إلى التطاول بإصدار الأوامر والنواهي لأهل المتوفاة؛ أولئك الذين يعيشون ذهول الصدمة وتحت وطأة الفقد المُر. كانت تقول بلهجة آمرة: «لا تضعوا هذا الغرض.. شيلوا هذا الغرض»، مقتحمةً خصوصية الأسرة، وضاربةً بعرض الحائط مشاعر الانكسار التي تملأ مآقيهم. كانت تصرفاتها نابعة من رغبة محمومة في لفت الانتباه، وحب ظهور مبالغ فيه على حساب حرمة الموت المهيب.

إن المساعدة الحقيقية غالبًا ما تكون هادئة، رصينة، لا تستدعي إعلانًا ولا استعراضًا، أما حين تتحول إلى سلسلة من الحركات المتواصلة والتدخلات المتكررة، فإنها تفقد كثيرًا من قيمتها الإنسانية، و قد تتحول إلى مصدر إزعاج لمن هم أحوج ما يكونون إلى الهدوء والراحة.

إن من أجمل صور التعزية أن يشعر أهل المصاب بأن من حولهم يساندونهم بلطف واحترام، لا أن يجدوا أنفسهم أمام سيل من الأوامر والملاحظات والتدخلات في تفاصيل لا تستحق كل ذلك الاهتمام. فالحزن بطبيعته مرهق، وأهل الفقيدة يعيشون لحظات من الانكسار النفسي لا يحتملون معها المزيد من الضغوط، مهما حسنت النوايا أو ادّعاها أصحابها.

ولعل ما أثار استغرابي أكثر أن تلك التصرفات كانت تتكرر بصورة لافتة، حتى بدا المجلس وكأنه يدور حول حضور تلك السيدة ونشاطها، لا حول الغاية الأساسية التي اجتمع الناس من أجلها. فهناك فرق كبير بين من يخدم بصمت، ومن يجعل الخدمة وسيلة لإبراز نفسه وإثبات وجوده أمام الآخرين.

إن مواقف العزاء ليست مسارح لاستعراض المهارات التنظيمية، ولا هي منصات لإثبات الحضور والوجاهة الاجتماعية. إنها مساحات للغسل الروحي، والدعاء الصامت، والمساندة غير المشروطة.

وأمام هذا المشهد الذي تفاقم وارتفع منسوب استفزازه، وأمام تلك الأفعال التي لا تطاق ولا تحتمل، قررت الانسحاب بهدوء احترامًا لأهل العزاء.

خرجتُ فورًا من المكان، تاركًة خلفي صخب التطفل، محتفظًة بوقار الحزن الذي جئتُ من أجله، خرجت بيقين بأن بعض البشر يحتاجون إلى إعادة تأهيل في مدرسة “الذوق والأدب”، ليتعلموا أن للموت هيبة لا يجوز تدنيسها بابتذال الفضول. وأن أجمل ما يمكن تقديمه في مجالس العزاء هو أن يعرف الفرد متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يترك للحزن هيبته وللمصاب خصوصيته.