كنت عندما تحدث لي مشكلة أو مصيبة أغضب بسبب حرصي ونظامي في حياتي، ولكنني عندما قرأت قول الله تعالى في سورة التوبة بتأني وتأمل وتدبُّر {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون} (الآية-51) عَرَفت أن الله قد كَتَب ذلك عليَّ في اللوح المحفوظ وقضاه، وكل ما عليَّ هو الرضا بما كتبه الله لي والتوكل عليه، وما زادني يقيناً بذلك هو حديث المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام لعبدالله ابن عباس رضي الله عنه وهو غلام لم يبلغ الحلم حينما قال له: “يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ” (أخرجه الترمذي وأحمد)، وهذا يؤكد أن اجتماع الأمة على أيصال النفع أو الضُّر دون مشيئة الله من المُحَال، أما معنى “رُفعت الأقلام” أي أن مقادير الخلق جميعاً قد كُتبت ولا زيادة أو نقصان في كتابة الأحكام، و “جفَّت الصُحف” أي جفت بما كتبته الأقلام فيها من مقادير وكل شيء قد ثبت في اللوح المحفوظ، وهو تعبير واضح عن سبق القضاء الإلهي والقدر برفع القلم، وتشبيهاً بليغاً بفراغ الكاتب في الشاهد من كتابته، وهو دليل على كمال عِلم الله سبحانه وتعالى وأنه يعلم ما كان وما يكون ولا علاقة لعلمه بما سنفعل بالثواب والعقاب لأن الثواب والعقاب على أعمالنا فقط.

إن العلم بأن كل ما يحدث لنا هو بقدَر الله يبعث الرضا والطمأنينة في قلب المسلم والتوكل على الله عند المصيبة، فلا يأسى المسلم ولا يتذمر ولا يلومنَّ نفسه ويقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، وهو ما قاله الله تعالى في كتابه {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}(الحديد22/23).

أما ما يجب على المسلم فعله عند وقوع المصائب بدايةً هو الدعاء والاسترجاع كما قال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام “مَا مِن عَبدٍ يُصاب بِمُصِيبةٍ فيقول: إنا لله وإنا إليهِ راجِعُون، اللهَّم أجِرني في مُصِيبتي وأخلُفْ لِي خيَراً مِنهَا ، ألاَّ آجَرهُ اللهُ في مُصِيبته وأخْلَفَ لَهُ خَيراً مِنها” (أخرجه مسلم وأحمد والطيالسي)، ثم الصبر واحتساب الأجر عند الله، وحَبس اللسان عن التشكي، والجوارح عمَّا يُغضب الله، والرضا بقضاء الله وقدره، وتبدأ بعدها رحلة الأخذ بالأسباب ومعالجة المشكلة أو المصيبة ببذل كافة الجهود لإيجاد الحلول العملية الممكنة والتوكل على الله في تنفيذها، وأخيراً استشعار الأجر واليقين أن البلاء يُكفِّر الخطايا بفضل الله وأن الخيرة فيما أختاره الله لنا حتى لو خالف ذلك رغباتنا واختياراتنا في الدنيا.

وأختم بأن الثقة في تدابير الله مُهمة للعبد في حياته، فالله أرحم بالعبد من نفسه وأعلم بمصلحته، فقد ترك نبي الله إبراهيم الخليل زوجته وابنه الرضيع إسماعيل في صحراء قاحلة لا حياة فيها وعندما سألته هاجر: آلله أمرك بهذا؟ قال نعم، فقالت “إذن لا يضيعنا الله” ففجَّر الله لهما بئر زمزم، وفيها بدأ برفع قواعد البيت العتيق، وخافت أم موسى على وليدها من بطش فرعون فألقته في اليَمّ وساقهُ اليَمّ لبيت فرعون وتربى فيه وبدأ رسالته منه، وتوفي لنبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام عمَّه وزوجته في عام واحد، وجميع أبنائه الذكور، ورُمي بسلا الجزور وهو ساجد ولم يَقُمْ، وآوى إلى الغار تلاحقه عداوة المعتدين والكفار ليعود بعدها فاتحاً عزيزاً وممتناً عليهم بفضل الله وكرمه، فأرضَ بما كتبه الله لك تكن أغنى الناس.