هناك وللأسف الشديد خطر يجب تداركه في البثوث المباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي التي فتحت آفاقاً واسعة للتعبير والحوار ومنحت الأفراد فرصة للوصول إلى الجمهور والتي لم تكن متاحه في السابق هذه المساحة المفتوحة أفرزت ظاهرة تستحق التوقف عندها وهي تصدر بعض غير المختصين للنقاش في قضايا حساسة ومعقدة أمام جمهور واسع دون امتلاك القدر الكافي من المعرفة أو التأهيل.

المشكلة لا تكمن في طرح الأسئلة أو مناقشة الأفكار فالحوار بطبيعته وسيلة من وسائل الوصول إلى الفهم لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول البحث عن المشاهدات والشهرة إلى الدافع الأساسي وراء صناعة المحتوى فيُفتح بث مباشر حول قضية فكرية أو دينية أو اجتماعية شائكة ويتولى إدارة ذلك البث شخص ليس لديه خلفية كافية عن الموضوع ثم يستضيف أطرافاً متباينة في الطرح والخبرة من دون وجود إطار مهني يضمن التوازن أو يضبط مسار النقاش.

في مثل هذه الحالات لا يكون الجمهور أمام حوار معرفي حقيقي بل أمام حالة من التشويش قد تختلط فيها الآراء بالمعلومات والانطباعات الشخصية بالحقائق والشبهات بالإجابات العلمية الرصينة ويزداد الأمر خطورة عندما تُطرح قضايا تحتاج إلى تأصيل علمي أو شرعي دقيق بينما يغيب عنها المتخصصون و يقدم فيها الرأي على أنه مساوٍ للمعرفة المتخصصة.

ومن الملاحظ أن بعض هذه البثوث تعتمد على الإثارة أكثر من اعتمادها على القيمة المعرفية لأن الجدل السريع يجذب المتابعين ويحقق انتشاراً أكبر لكن ما يحقق الانتشار ليس بالضرورة ما يحقق الفائدة. فالمشاهد قد يخرج من النقاش بأسئلة أكثر من الإجابات أو بانطباعات مشوشة يصعب عليه التحقق من صحتها.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى تقييد الحوار أو مصادرة الآراء المختلفة بل على العكس فالحوار المسؤول ضرورة لأي مجتمع حي غير أن المسؤولية تقتضي أن يكون النقاش في القضايا المتخصصة قائماً على المعرفة والكفاءة وأن تعطى الأولوية لأصحاب الخبرة عند تناول الموضوعات التي تؤثر في وعي الناس وقناعاتهم.

إن قوة وسائل التواصل اليوم تجعل من الكلمة مسؤولية مضاعفة وما كان يقال سابقاً في نطاق محدود أصبح يصل إلى آلاف وربما ملايين الأشخاص خلال دقائق ولذلك فإن الضرر الناتج عن المعلومات غير الدقيقة أو الطروحات غير المتوازنة قد يكون أكبر بكثير من النفع المتوقع منها.
من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز ثقافة التخصص وإلى وعي أكبر لدى الجمهور بأن عدد المتابعين لا يساوي بالضرورة مقدار المعرفة وأن الشهرة ليست دليلاً على المصداقية فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة الأصوات المرتفعة بل بجودة الأفكار ودقة المعلومات واحترام التخصص.

وفي الختام يبقى الحوار أداة بناء عندما يدار وفق أسس المعرفة والمسؤولية لكنه قد يتحول إلى مصدر للالتباس وإرباك الوعي العام عندما يصبح البحث عن الشهرة مقدماً على الحقيقة.