الرياضة تلك المفردة الناعمة الواعية التي تجتمع لأجلها الألوف في المدرجات والملايين خلف الشاشات، وتهتف لتنافساتها الحناجر، وتتبارى الأيادي تصفيقا وإعجابا بنجومها، كان شعارها الخالد:

التواضع عند الفوز، والابتسامة حال الخسارة؛ لهذا كان أنصار الفرق الشهيرة محليا وعالميا يدخلون إلى الملاعب سواسية ويجلسون جنبا إلى جنب، وبعد إطلاق صافرة النهاية يخرجون وهم يضحكون، ويجتمعون في أقرب مطعم يأكلون ويشربون فيتباهى الفائز دون تعالٍ، وينسى المهزوم النتيجة، ويستعد الجحفل لموعد آخر، ولا تسمع ركزا لشعارات الانتفاخ التعصبي -الشعب الفلاني، والأمة الملونة- فالجميع دار وجار الحب يجمعهم والتنافس لا يفرقهم.

وشيئا فشيئا أطلّ إبليس برأسه وأومأ لضعاف النفوس ، وبضغطة على زرار التعصب المقيت توالت سيول الشتائم حاملة أبشع الألفاظ يتبادلها القوم كالقذائف فيزداد خفقان الأفئدة وتتحول لحظات اللقاء لبراكين تنفث الرعب وتنثال حممها على المدرج المقابل دون اعتبار للدين والوطن ووحدة الدم والمصير، ويتنامى التعصب الذي بدأ منذ سنوات بإعلان البعض حلق نصف ( شاربه) لكامل الشارب ثم لتغيير الاسم والتسمي ب( أنثى) وكأن النتاىج ثوب يباع ويشترى!!!

وظهرت آناشيد يرددها أنصار بعض الفرق
لتطغى على نشيد الوطن الخالد الموحد، وأقسم أن هناك من يلقن فلذة كبده هذه الأناشيد دون أدنى اهتمام بنشيد الوطن الهوية والفخر والانتماء.

وليت الأمر توقف هنا ، ولكنه تجاوز كل الحدود في زمن مدت فيه الحكومة – يحفظها الله -يد عونها وحولت الهواية لاحتراف توجهت بوصلته نحو عالمية اللعبة والسمعة والثقافة، فوجدنا بحبوحة النرجسية المفرطة تعزف على أوتار الأنا مقطوعات التعصب فارتفعت موجات الخروج عن المألوف وسحبت معها مراكب الاحتراف المطلوبة لجزر الانحراف المعطوبة

فالأب (يلعن) ابنه والعكس، بل ورب الأسرة
(يطلق) زوجته متخذا من لون فريقه المفضل نظارة تعميه عن أطفاله، وترسم أمامه مشهدا وحداوي اللون يجعل الحياة رهن نتيجة مباراة يحققها من لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا حتى يقدرون العناء وربما غلبه الغبن فانفجر قلبه أو انجلط دماغه،فتوسد التراب مغادرا الحياة دون رجعة في لحظة فرحة غامرة أو حزن قاهرة، وأصبحنا اليوم نرى تحول بعض مربعات المدرجات لمواقع تحاكي معارك( داحس والغبراء) رميا بالقوارير والأحذية- أكرمكم الله- وصفعا بالكفوف وجلدا بعصي الأعلام في مشاهد يندى لها الجبين غذّاها المتفيهقون والمتشدقون من أبواق الإعلام المرئي والمسموع والمقروء الذين ينفخون هواءهم الفاسد في (قِرَب) التعصب برغم ادعاء الحياد فيؤلبون ويوقدون النار تحت رماد التضخيم الذاتي، ويدقون أسافين التفريق بين الأخ وأخيه والابن وأبيه والزوج وشريكة حياته؛ فتخرب البيوت والسعادة تموت، وتعاني التربية وتضيع المسؤولية وسط تسطيح للمشكلة وتعمية عن الخطر الداهم.

كم نحن بحاجة لروح رياضية جديدة تزيد محبة الجميع للمنتصر، واحترام كيان المهزوم ولو كان من فئة(ج) التنافسية؟

فهل من التفاتة واعية من ذوي المسؤولية والفكر والمعنيين بما يصلح المجتمع يعيدون لنا خلالها التواضع عند الفوز، ويلجمون ألسنة التعالي، ويكبحون جماح التعصب الذي بات بمثابة السعلية يزيد تغولها بارتفاع وتيرة التنافس الذي أضحى العقلاء يتشاءمون منه عاما بعد عام؟!!