في قطاع المحاماة والاستشارات القانونية، تنشأ كثير من الشراكات المهنية بدافع الشغف المشترك والطموحات الواعدة، حين يقرر زميلان توحيد خبراتهما تحت مظلة كيان واحد. غير أن الحرص على تجنب الحرج، وتغليب الاعتبارات الودية في مرحلة التأسيس، يدفع العديد من الشركاء إلى الوقوع في فخ تنظيمي بالغ الخطورة يتمثل في «القيادة التنفيذية المشتركة»، وذلك بمنح كلا الشريكين صلاحيات متساوية ومتزامنة في إدارة المشهد اليومي للمكتب.
هذا النموذج التقليدي في الإدارة لا يقود — في الغالب — إلا إلى نتيجة متوقعة: جمود تشغيلي، يعقبه تصدع داخلي، وينتهي غالبًا بانهيار الشراكة.
فالإدارة ليست منصبًا بروتوكوليًا أو امتيازًا شكليًا، بل منظومة مستمرة لصناعة القرار وحسم الاتجاهات. وعندما تغيب المرجعية التنفيذية الموحدة، تتحول المنشأة إلى بيئة خصبة لتضارب الصلاحيات وتشتت الرؤى.
فعلى المستوى التشغيلي، كيف يمكن حسم قرارات استقطاب الكفاءات أو تعيين الموظفين إذا وافق أحد الشريكين عليها، بينما رفضها الآخر رفضًا قاطعًا؟
وعلى المستوى المالي، كيف تُعتمد قرارات التمويل أو الإنفاق الاستراتيجي على البنية التقنية والأنظمة السحابية، إذا كان أحد الأطراف يعدّها ترفًا ماليًا، بينما يراها الطرف الآخر استثمارًا لا غنى عنه للمستقبل؟
إن تجاهل مبدأ وحدة المرجعية الإدارية لا يخرج الكيان عن إطار «العمل المؤسسي المنضبط» فحسب، بل يدفعه تدريجيًا إلى ساحة من التجاذبات الشخصية التي تستنزف طاقات الشركاء وتبدد موارد المنشأة.
إن ممارسة العمل القانوني والترافع تقوم على الاستقلالية الفنية والمهارة الفردية لكل شريك، أما إدارة الكيان التجاري والحاضنة الاستثمارية لهذه المهنة، فهي تخضع لقواعد الحوكمة وإدارة الأعمال. فلا يمكن لشركة محاماة أن تحقق نموًا مستدامًا بينما تتنازع قيادتها إرادتان وسلطتان متوازيتان.
ولكي تؤتي الشراكة ثمارها، وتتحقق غاياتها الكبرى من الاستقرار والاستدامة والنماء، ينبغي على الشركاء الانتقال من مفهوم «تقاسم السلطة اليومية» إلى مفهوم «تفويض القرار الإداري». فالشركات المستقرة تبنيها الرؤى المتعددة، لكن تحميها القيادة الموحدة.







التعليقات
اترك تعليقاً