في لحظات الوداع الأخيرة تقف القلوب أمام حقيقة الموت مجردة من الزينة والضجيج وتتحول المقابر إلى مساحة للصمت والتأمل والدعاء غير أن ما نشهده اليوم من بعض الممارسات داخل المقابر يدعو إلى التوقف والمراجعة بعدما تحولت بعض الجنائز إلى مشاهد توثيق وتصوير وأحاديث جانبية لا تليق بحرمة المكان ولا بحرمة الميت.
وقد جاء في كلام “اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء” (9/103) : “من السنة زيارة الرجال للقبور؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأمره به ولعمل الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة رضي الله عنهم وأئمة المسلمين دون مخالف فكان إجماعاً ولقوله صلى الله عليه وسلم: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ) . الحديث
لقد أصبح من المؤسف أن يرى الإنسان من يرفع هاتفه داخل المقبرة لتصوير القبور أو توثيق مراسم الدفن أو نشر المقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وكأن المقبرة أصبحت مكاناً للمحتوى لا موضعاً للعظة والاعتبار والأشد إيلاماً أن تتجاوز بعض التصرفات حدود التصوير إلى الضحك والسوالف والأحاديث الدنيوية بصوت مرتفع بين المشيعين في مشهد يتنافى مع هيبة الموت وحرمة المقابر.
المقابر ليست أماكن للترفيه أو صناعة المشاهد العابرة بل مواضع تذكر الإنسان بنهايته وتدعوه إلى التفكر في عمله وحياته. وقد عرف المجتمع عبر عقود طويلة احترام المقابر والتزام السكينة فيها فكان المشيع يدخل المقبرة بقلب خاشع ولسان يلهج بالدعاء لا بعدسة هاتف تبحث عن لقطة أو حديث عابر يقطع سكون المكان.
كما أن تصوير القبور ونشرها يمس مشاعر ذوي المتوفى ويعتدي احيانا على خصوصية لحظات الحزن التي يفترض أن تبقى بعيدة عن التداول والاستعراض فليس كل ما يُرى يُصور وليس كل موقف يصلح للنشر والمشاركة وهناك فرق كبير بين التذكير بالموت بأسلوب واعظ ومحترم وبين تحويل الجنائز إلى مادة رقمية تستهلكها المنصات.
إن احترام المقابر جزء من احترام الإنسان نفسه، فالميت له حرمته كما للحي كرامته. ومن الواجب تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الالتزام بالهدوء داخل المقابر وترك الأحاديث الجانبية وإغلاق الهواتف والانشغال بالدعاء والاستغفار بدلاً من الانشغال بالتصوير والتوثيق.
وختاماً
نحن اليوم بحاجة إلى إعادة ترسيخ ثقافة الوقار في الجنائز وأن يتذكر كل مشيع أنه يقف في مكانٍ سيكون مصيره إليه يوماً ما فالمقابر لم تُبنَ لتكون خلفيات للصور بل لتكون موعظة صامتة تُهذب النفوس وتعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى والأخيرة.







التعليقات
اترك تعليقاً