صحيح أن من استشار لا يضيع غالبًا، لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن ليس كل أحد مؤهلًا لأن يكون ناصحًا.

فالنصيحة ليست مجرد رأي يُقال كيفما اتفق، وليست مساحة لإسقاط القناعات الشخصية على الآخرين، بل مسؤولية أخلاقية ونفسية قد تبني إنسانًا أو تهدمه.

لذلك فإن اختيار الشخص الذي نأخذ منه النصيحة يحتاج إلى وعي وشروط مهمة، منها:
أن يكون قادرًا على الفصل بين قناعاته الشخصية وواقعك أنت، وأن ينصحك بما يناسب ظروفك لا بما يشبهه هو أو يوافق نمط حياته.
وأن يمتلك حكمة حقيقية لا مجرد آراء وانطباعات سطحية، وأن يكون أمينًا في طرحه، لا يبحث عن فرض السيطرة أو ممارسة التفوق الأخلاقي تحت ستار “النُصح”.

كما يجب أن يكون قادرًا على فهم ظروفك النفسية والإجتماعية كاملة قبل إصدار الأحكام، وأن يحترم حقك في الاختيار حتى لو خالف اختياره الشخصي، وأن تكون لديه خبرة أو تجربة ناضجة في الأمر الذي يتحدث عنه، لا مجرد حماس أو قناعة شخصية.

الناصح الحقيقي لا يدفعك بالخوف ولا يربطك بالشعور بالذنب، بل يمنحك مساحة للتفكير، ويساعدك على رؤية الأمور بوضوح وإتزان.

والأهم من ذلك كله أن تنتهي من حديثه وأنت تشعر أنك إنسان مفهوم ومسموع، لا متهم أو مُدان.

وفي المقابل، هناك بشر لا يستحقون أن نستقبلهم أصلًا للاستشارة أو الفضفضة، لأن بعض الناس لا يطلبون النصيحة بحثًا عن الحل، بل بحثًا عن إثارة الجدل، أو تضييع الوقت، أو جرّ الطرف الآخر إلى مساحات حساسة ثم تحميله الاتهامات لاحقًا.

ومن هنا تأتي رسالتي إلى المرشدين الأسريين، والمعالجين الأسريين، والأخصائيين الإجتماعيين والنفسيين:
أحرصوا على ألا تُقدَّم الاستشارات إلا ضمن إطار رسمي ومهني واضح، سواء داخل مكتب استشاري معتمد أو عبر جلسات أونلاين منظمة تحفظ الحقوق وحدود العلاقة المهنية.

ففي هذا الزمن، قد يطلب البعض الاستشارة لا للاستفادة، بل لمحاولة إستدراج المعالج أو الأخصائي إلى مواقف ملتبسة، أو اتهامه بالتخبيب أو التدخل غير المشروع في العلاقات الأسرية.
ولذلك أصبح من الضروري أن تكون النصيحة ضمن إطار نظامي يحفظ كرامة المستفيد ويحمي المختص كذلك.

كما أن على كل إنسان أن يدرك أن تقديم النصيحة ليس واجبًا دائمًا، وليس كل موقف يستحق التدخل أو الإرشاد، فبعض النصائح حين تُقال في غير موضعها تتحول من نية حسنة إلى عبء أو أذى.

لهذا، ليس المهم فقط أن نجد من ينصحنا…
بل أن نعرف أيضًا: من يستحق أن يسمع قصتنا، ومن يستحق أن نأتمنه على تفاصيل حياتنا.