في مساء ازدحم بالوجوه والأصوات، كنت أمضي إلى مناسبة اجتماعية لا يشبه صخبها هدوئي، ولا تشبه كثرتها ميلي إلى العزلة الوديعة. لم أكن من أولئك الذين يجدون في التجمعات متعتهم الكبرى، لكن إلحاح الدعوة، وحرارة الود في طلب الحضور، جعلا الاعتذار يبدو قاسيا أكثر مما ينبغي، فذهبت. ومثل كل الأشياء التي نذهب إليها على مضض ثم نفاجأ بلطفها، كان المساء جميلا على غير توقع. أحاديث خفيفة، ووجوه بشوشة، ولحظات عابرة تحمل شيئا من الأنس الذي لا يخطط له.

وحين أوشك الوقت على الرحيل، وقفت أرتب عباءتي بهدوء، ثم أخرجت نقابي الذي أحب أن يكون طويلا، منسابا بوقار يصل إلى ما يقارب الركبتين. لا لأن الزمن يفرضه، بل لأن القلب يألف ما يرتاح إليه، ولأن للإنسان ذوقه الذي يشبهه كما تشبه الملامح أصحابها

وبينما كنت أرتديه بعفوية وطمأنينة، إذا بإحدى الواقفات بجواري تطلق ضحكة عالية، ثم قالت بنبرة يختلط فيها التعجب بالسخرية: “واااو… أترتدين نقاب باب الحارة؟! من يرتدي هذا النقاب الآن؟” واستمر الضحك… طويلا أكثر مما يستحقه موقف عابر، وأعلى من أن يكون مجرد مزحة بريئة. في تلك اللحظة، لم أشعر بحاجة إلى الدفاع عن نفسي، ولا إلى الدخول في معركة صغيرة لإثبات أن الاحترام لا يحتاج إلى موافقة الآخرين، وأن ما نرتديه ليس شأنا عاما تقام له محاكم الذوق العابرة. اكتفيت بالصمت. أكملت ارتداء نقابي كما لو أن شيئا لم يحدث، ثم غادرت المكان بهدوء يشبهني.

فبعض الردود لا تُقال بالكلمات، بل بالرقيّ وبعض الناس يظنون أن الضحك انتصار، بينما يكون التجاهل أرفع منزلةً وأشد وقعًا.

لقد أدركتُ يومها أن الأناقة الحقيقية لا تكمن في مواكبة ما يراه الناس “حديثًا”، ولكن في أن يرتدي الإنسان قناعته بثبات، دون أن يعتذر عنها لأحد. فلكل روحٍ طريقتها في التعبير عن ذاتها، ولكل امرأةٍ مفهومها الخاص للوقار والجمال، وليس من حق أحد أن يسخر من خيارٍ لا يؤذيه، ولا ينتقص منه في شيء.

وما أكثر الذين يستهزئون بما لا يفهمون، فقط لأنهم اعتادوا أن يجعلوا الاختلاف مادة للتندر متناسين احترام التنوع بين البشر. لكن النضج الحقيقي يظهر في تلك اللحظات الصغيرة؛ حين يكون الإنسان قادرا على أن يحفظ هيبته دون ضجيج، وأن يغادر المواقف المستفزة دون أن يفقد اتزانه. فليس كل تعليق يستحق ردا، ولا كل سخرية تستحق أن نمنحها من وقتنا أو كرامتنا شيئا.

لقد خرجت من تلك المناسبة وأنا أكثر يقينا بأن الذوق ليس واحدا، وأن الرقيّ الحقيقي لا يُقاس بما نرتديه، وانما بالطريقة التي نتعامل بها مع الناس.

كم من شخص بدا عصري المظهر، لكنه فقير الأدب، وكم من إنسان بسيط الهيئة، لكنه يفيض احتراما واتزانا.

أما أنا… فكنت سعيدة لأنني اخترت الصمت حين كان الصمت أكثر فخامة من أي رد.