ليس كل اختلاف نقصًا وليس كل صمت فراغًا فهناك عوالم كاملة تعيش بيننا لا لأنها بعيدة بل لأننا لم نتعلم كيف نقترب منها بعد
في هذا اليوم لا نحتفي بمرض بقدر ما نتوقف أمام طريقة أخرى لرؤية الحياة طريقة لا تشبه الضجيج الذي اعتدناه ولا تحتاج أن تكون مثله كي تُفهم
منذ أن أشار الطب إلى التوحد في أربعينيات القرن الماضي لم يعد السؤال ما الذي ينقصهم بل كيف نرى ما يملكونه وكيف نتعلم أن نقرأ حضورًا لا يتكلم بلغتنا دائمًا لكنه يقول الكثير
التوحد ليس انقطاعًا عن العالم بل علاقة مختلفة معه علاقة قد تبدو صامتة لكنها في داخلها مكتظة بالإحساس وقد تبدو بعيدة لكنها في حقيقتها أكثر قربًا مما نظن لو أننا تخلينا قليلًا عن شكل التواصل الذي اعتدناه
قد لا ينظرون كما ننظر ولا يتحدثون كما نتحدث لكنهم يشعرون وربما بعمق أكبر ويلاحظون تفاصيل تمر بنا دون أن نراها ويحملون في داخلهم نظامًا خاصًا بهم يربكنا لأنه لا يشبهنا لا لأنه خاطئ
نحن لا نُرهقهم حين نحاول فهمهم بل حين نُصر على أن يكونوا نسخةً منا حين نختزل اختلافهم في نقص وننسى أن الاختلاف أحيانًا طريقة أخرى للكمال
لا يحتاجون أن نُصلحهم بل أن نرافقهم لا أن نُعيد تشكيلهم بل أن نُفسح لهم مساحة ليكونوا كما هم فكل محاولة لجعلهم يشبهوننا أكثر هي في حقيقتها إبعاد لهم عن ذواتهم
العلاج ليس أن نُطفئ ما فيهم بل أن نُضيء الطريق لهم ليعبروا العالم بطريقتهم الدعم ليس أن نقودهم إلى ما نعرفه بل أن نتعلم أن نلتقي معهم في منتصف الطريق
وفي المجتمع لا يكون دمجهم بإدخالهم في القوالب بل بكسر القوالب نفسها حين نعترف أن الحضور لا شكل واحد له وأن الإنسان لا يُقاس بمدى تشابهه معنا
هم ليسوا على الهامش بل في قلب هذا العالم لكن بطبقة أخرى من الإدراك لا نراها بسهولة لذلك نظنها غير موجودة
وفي هذا اليوم لا يكفي أن نتعاطف بل أن نعيد النظر في أنفسنا في طريقة حكمنا في استعجالنا للفهم في ضيقنا بكل ما لا يشبهنا
التوحد ليس عزلة بل دعوة هادئة لأن نوسّع معنى الإنسان في داخلنا لأن ما لا نفهمه ليس بالضرورة ناقصًا بل ربما نحن لم نصل إليه بعد.







التعليقات
اترك تعليقاً