لن أنسى ذلك اليوم… يوم ضجت الدنيا من حولي، بينما سكن كل شيء في داخلي دفعة واحدة. كان العالم يمضي بصخبه المعتاد، لكنني كنت أقف في زاوية من الزمن، عاجزة عن فهم ما يحدث، كأن الحياة قررت فجأة أن تغير قوانينها دون إنذار.
يومها، تجاوز الحزن كونه شعورا عابرا، وتحول إلى كيان كامل يملأني. هيبة العزاء كانت ثقيلة، تختلط فيها نظرات المواساة بوجع لا يقال. وجوه كثيرة تحيط بي، لكنني لم أكن أرى أحدا بوضوح. كل شيء كان ضبابيا، كأنني أنظر إلى العالم من خلف حجاب كثيف من الألم.
ألم الفقد لم يكن لحظة وانتهت، بل كان ارتجافا يسري في الجسد، وسرعة نبض لا تهدأ، ويدين ترتعشان دون إرادة. كان تيها حقيقيا، يضيع فيه العقل، ويشرد فيه الفكر، وتغيب فيه القدرة على استيعاب الحقيقة. كيف يمكن للحياة أن تستمر، وقد غاب منها من كان معناها؟
كانت تلك الصدمة أكبر من أن تحتمل، وأعمق من أن توصف. شعرت وكأن جزءا مني قد انطفأ إلى الأبد، كأن نورا كان يضيء أيامي قد انطفأ فجأة، تاركا خلفه عتمة لا تشبه أي ظلام عرفته من قبل. لم أعد كما كنت، ولن أعود. فبعض الفقد لا يعوض، وبعض الغياب يصعب التكيف معه، بل يرافقنا كظل دائم.
مرت الأيام، وتبعتها الشهور، والناس من حولي يتحدثون عن الزمن كأنه كفيل بالشفاء. لكنني كنت أشعر أن الزمن لا يزيل الفقد، بل يعلمنا كيف نحمله فقط. وكأن غيابك لم يبتعد، بل استقر في داخلي، حاضرا في كل تفاصيل يومي، في كل ذكرى، في كل لحظة صمت.
أفتقدك وكأنك رحلت بالأمس، وكأن المسافة بيننا لم تتسع رغم مرور الوقت. أبحث عنك في الأماكن، في الأصوات، في الذكريات، فأجدك حاضرا بقدر غيابك. لم تكن مجرد رفيق حياة، بل كنت حياة كاملة، وحين رحلت، أخذت معك جزءا لا يعوض مني.
سيظل عزائي فيك عمرا، لأن الحب باق لا ينتهي. وسيبقى الدعاء خيطا يصلني بك، وأمل اللقاء وعدا يخفف هذا الفقد. حتى يحين ذلك اليوم الذي نلتقي فيه من جديد، في مكان لا فراق فيه، ولا ألم، ولا وداع… في الفردوس الأعلى، حيث تكتمل الحكايات التي انكسرت هنا.
إلى ذلك الحين، سأحمل ذكراك كما هي: حية، نابضة، لا يطفئها الزمن، ولا تغيبها الأيام. لأن بعض الأحبة، وإن غابوا، يظلون معنا يسكنون القلب، ويعيشون فينا، أكثر مما كانوا يوما حولنا.







التعليقات
اترك تعليقاً