إذا اقترب تمام العمل وشارف كماله اجتهد صاحبه ليخرج أحسن ما عنده، وليتهيأ للجزاء وتلقي الفرحة القريبة عند فطره، والفرحة الأعظم يوم لقاء ربه تعالى.

ويبدأ هذا الاجتهاد الخاص بعد مضيّ ثلثا الشهر، واستقبال فضل العشر الأواخر من رمضان وليلة القدر.

وفي الثلث الأخير من شهر رمضان المبارك تتضاعف الحسنات وتتعدد المناسبات فقد جعل الله تبارك وتعالى في فضل العشر الأواخر رمضان ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر إكراما من الله لأمة محمد عليه الصلاة والسلام.

فها هي بشائر الخيرات قد أطلّت، ونسائم الرّحمات قد أظلّت، ولحظات المنح والعطايا قد حلّت؛ بإقبال العشر الأخيرات من شهر الفضائل والبركات؛ هذه العشر التي حوت فضائلَ جليلةً كثيرةً، وأجوراً كريمةً وفيرةً.

حريٌّ بكلِّ مسلم أن يغتنمها، وبكلِّ مؤمنٍ أن يستثمرها، أسوته في ذلك نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلت عليه العشر الأواخر، أقبل على عبادة ربِّه وشمّر، واعتزل نساءه وشدّ المئزر، وأحيا اللّيل بالصّلاة وقرأ القرآن وتدبّر، واجتهد فيها بالطّاعة ما لا يجتهد في غيرها من اللّيالي.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ».

وفي الصّحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ».
ومعنى (شدّ المئزر) أي: اعتزل النّساء.

وإنّما كان النّبيُّ صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في هذه الليالي الطّيّبات ؛ ليتقرّبوا إلى الله سبحانه بالصّالحات، وينالهم من خيرها.
وهكذا كان الصّحابة رضي الله عنهم في العشر الأواخر خاصة يجتهدون في العبادة باللّيل وإلى الله يتقرّبون، ولفضله ورحمته يتعرّضون، ويأمرون بذلك أهليهم ولهم يوقظون.

فها هو عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، كما في موطّأ مالك: «كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلاَةِ، يَقُولُ لَهُمُ: الصَّلاَةَ! الصَّلاَةَ!، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾».

وقال سفيان الثّوريّ رحمه الله: «أحبُّ إليّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجّد باللّيل، ويجتهد فيه، ويُنهض أهله وولده إلى الصّلاة إن أطاقوا ذلك».

وأهم الأعمال التي ينبغي أن نحرص عليها لنفوز بفضل العشر الأواخر من رمضان وليلة القدر كثرة قراءة القران الكريم قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة:١٨٥).

فهذا شهر القرآن وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدارسه جبريل في كل يوم من أيام رمضان حتى يتم ما أنزل عليه من القرآن وفي السنة التي توفي فيها قرأ القرآن على جبريل مرتين.

وقد كان هدى النبي صلى الله علية وسلم المستمر الاعتكاف في العشر الأواخر حتى توفاه الله كما في الصحيحين عن عائشة.

واكثروا من الصدقة وصلاة التراويح وقيام الليل قال صلى الله عليه وسلم: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة).

أي أن من صلى التراويح مع الإمام حتى ينتهي فكأنما قام الليل كله.

واكثروا من الذكر والاستغفار والدعاء بأن يحفظ الله بلاد الحرمين الشريفين وولاة أمرنا وأن يرد كيد الكائدين والحاسدين في نحورهم.