بعد واو الجماعة، وتاء التأنيث، ونون النسوة،تأتي ألفُ الجماعة علامةً لغويةً هادئة في ظاهرها، لكنها في رمزيتها تكشف تحوّلًا أعمق في الوعي الإنساني:
انتقال الفهم من إدراكٍ فرديٍّ للمعنى،إلى شعورٍ جمعيٍّ يقرأ الخطاب بمرآته الخاصة.
فالخطاب العام — في جوهره — لا يُكتب ليحمل أسماء،ولا يُصاغ ليقف عند حدود أشخاص،بل يُطرح بوصفه فكرةً تتّسع للتأمل والنقاش.
غير أن الجماعة، حين يضيق أفق التلقي،لا تقف عند دلالة المعنى،بل تتجاوزها إلى أثر الشعور به.
وقد نبّه ابن خلدون في مقدمته إلى أثر العصبية في تشكيل الفهم،إذ تميل الجماعات إلى تفسير الأقوال بما يوافق حالها النفسية،
لا بما يقتضيه ظاهر الخطاب.
فالعصبية — في بعدها المعنوي — لا تغيّر النص،بل تغيّر زاوية النظر إليه،فيتحوّل المعنى العام في الوعي الجمعيمن فكرةٍ كلية إلى دلالةٍ يُظنّ أنها موجّهة.
ويكشف السرد التاريخي عند الطبري، في وقائع الفتن واختلاف المواقف،أن القول الواحد كان يُتلقّى بقراءات متباينة تبعًا لحال الجماعات ومشاعرها،فيُفهم الخطاب على وجوهٍ متعددة،لا لأن الألفاظ تبدّلت،بل لأن التلقي خضع لميزان الانتماء والاضطراب النفسي.
وهكذا ينشأ الجدل أحيانًا من اختلاف الفهم،لا من اختلاف القول ذاته.
ومن هنا تنشأ مفارقة دقيقة:إذ لا يكون الإشكال في الحروف،بل في حمولة التأويل.
فالنص يبقى على عمومه،بينما تضيق قراءته حتى تُرى فيه ظلال لم تُكتب.
وهذا التحوّل لا يرتبط بسياقٍ محدد،بل يظهر في التفاعلات البشرية على اختلافها،عندما تتحوّل القراءة من فهم المعنى
إلى التأثّر بالشعور به.
فتُقرأ العبارات لا كما قيلت،بل كما أُحِسَّت،ويُحمَّل الخطاب ما لم يُقصد به أصلًا.
وحين تتقدّم الحساسية الشعورية على القراءة المتجرّدة،قد يُفسَّر العموم بوصفه تخصيصًا،ويُظنّ في الفكرة أنها استهداف،لا لِما ورد فيها،
بل لِما استيقظ في النفس عند تلقيها.
وهنا لا تُصنع الإشكالات من النص،بل من زاوية فهمه؛إذ قد يُبنى جدل واسع حول معنى لم يُذكر،وتنشأ ردود على دلالة لم تُقصد،فيتحوّل التأويل إلى أصل القضية،ويغيب المعنى الأول خلف طبقات الشعور.
إن ألفَ الجماعة، في بعدها الرمزي،تكشف لحظة الانتقال من قراءةٍ هادئةٍ للمعنى،إلى قراءةٍ متأثّرةٍ بالإحساس الجمعي،حيث لا يعود السؤال: ماذا قيل؟بل يتحوّل إلى: كيف شُعِر به؟
والوعي الثقافي — في جوهره —لا يخاصم الفكرة العامة،ولا يضيق بسعتها،بل يميّز بين دلالة الخطابوانعكاس الشعور نحوه.
فالمعنى العام يظل عامًا،ما لم تُضِف إليه القراءة ما ليس فيه،وما لم يُثقل الشعورُ المعنىحتى يراه مرآةً له وحده.







التعليقات
اترك تعليقاً