تعتبر الجماعة جزء مهم في النسيج الاجتماعي وهي مكون رئيسي من مكونات المجتمعات على مر العصور وتلتقي هذه الجماعات في روابط اجتماعية في العرق أو القرابة أو المصالح المشتركة مع بعضها البعض.

وقد قام علماء الاجتماع بتعريف التحلل الاجتماعي بأنه انهيار وفقدان القيم الاجتماعية أو النظم الاجتماعية لدى الجماعات كما يمكن تعريفه بأنه فقدان التماسك الاجتماعي لدى الجماعات.

وهنا اجتهد في تعريف التحلل الاجتماعي بأنه هو فقدان الجماعة لقيم التماسك الاجتماعي نتيجة عوامل داخلية وخارجية تؤثر سلباً على منظومتها العامة.

أن التعريف المشار إليه تطرق إلى عوامل داخلية وخارجية تؤثر على التماسك الاجتماعي لدى الجماعات ومن هذا المنطلق نعود إلى مراحل تاريخية في ظهور وتكوين الجماعات حيث كانت الجماعات قديماً متماسكة وذلك لعدة عوامل مهمة منها:

١- أن الحاجة والفقر التي كانت الجماعات تعاني منه قديماً كان له أثر كبير في تماسك الجماعة وتكاتفها لمواجهة التحديات التي تحيط بها.

٢- السيادة الاجتماعية للجماعة: كان قديماً هناك سيادة على الجماعات وهو ما يسمى “زعيم الجماعة” لدى الجماعات في المجتمعات الأعجمية و”شيخ القبيلة” لدى المجتمعات العربية وكانت هذه السيادة لها دور فعال وقوي في رعاية مصالح الجماعة أو القبيلة وتقديم يد العون والمساعدة في جميع الظروف بالإضافة إلى أن “سيد الجماعة أو شيخ القبيلة” كان يتحلى بصفات وأخلاق فاضلة مثل الشجاعة والكرم وفعل الخير والحكمة وبلاغة اللسان وحسن المنطق وغيرها حيث تعتبر هذه الصفات هي المحرك الفعلي للالتفاف حول ” سيد الجماعة” أو “شيخ القبيلة”. ومع التطور التاريخي أصبح هذا الدور القيادي محدود جداً في أشياء مرتبطة بالعادات الاجتماعية حصراً وذلك لتطور المجتمعات ولسيادة أحكام القانون على الجميع.

أن الظروف الاجتماعية والتحرك التاريخي الذي ساق الجماعات في جميع المجتمعات الإنسانية حتى وصلت إلى هذه المرحلة التي نعيشها اليوم أصبح في نهاية الأمر هناك تغير جذري في تماسك الجماعات وهنا نتطرق إلى بعض المسببات الاجتماعية التي أدت إلى التحلل الاجتماعي لدى الجماعات وهي كالتالي:

١- يرى عالم الاجتماع “هربرت سبنسر” في نظرية النشوء والارتقاء أو كما يسميها البعض “نظرية التطور” أن أساس النشوء والارتقاء مرتكزين أولاً على “التباين” وهو الانتقال من التجانس إلى اللاتجانس، و ثانياً على “التكامل” وهو ما يسير بموازاة التباين ويعني التضامن والتماسك بين الأجزاء واعتمادها على بعضها البعض ، وهذه النظرية ربما تنطبق على الوضع العام للجماعات في هذا الزمن حيث يمكن القول أن البعض وقد يصل إلى مستوى الأغلب من الجماعات تندرج تحت مفهوم “اللاتجانس” حيث لا يظهر هذا التجانس في مظهره الذي كان في الماضي وذلك بسبب عدة عوامل أثرت في تجانس الجماعات بشكل عام.

٢- جاءت نظرية سبنسر في مفهوم “التكامل” وهو ما يسمى التضامن والتماسك بين الأجزاء واعتمادها على بعضها البعض وهذا واضح في الجماعات الاجتماعية حيث أصبحت تعاني من التحلل الاجتماعي والذي أصبح واضحاً في بعض الجماعات من خلال ما تمت ملاحظته من قبل الباحثين في المجال الاجتماعي ولعله نذكر بعض هذه العوامل التي قمت بملاحظتها على بعض الجماعات ومنها الآتي:

— أن الحالة المادية في هذا الزمن لها دور في ابتعاد بعض الجماعات عن الواقع الاجتماعي لأفرداها حيث أصبحت الحالة المادية الجيدة تجعل الفرد يبتعد عن هذا الواقع.

— انغماس الأفراد في زحام الارتباطات الحياتية وتقديم الذات الشخصية على العطاء وعلى روح الترابط الاجتماعي.

— تنازع بعض الأفراد القاصرين في الحكمة والعقل على سيادة الجماعة أو القبيلة مما خلقوا في ذلك انقسامات بين أفراد الجماعة أو القبيلة ولدت البغضاء والكراهية والتفرقة التي أدت في النهاية إلى التفكك الاجتماعي للجماعة أو القبيلة.

— أن أطباع البشر عندما اختلطت في ملوثات اجتماعية تحولت إلى أطباع سيئة فأصبحت بعض الجماعات تخشى من أفرادها التي ترتبط معها بصلة قرابة أو نسب أكثر من أنها تخشى من الشخص البعيد وذلك لأن هؤلاء الأفراد أصبحوا يحملون في قلوبهم صفات سلبية متمثلة في الحسد والحقد والكراهية وإضمار الشر للطرف الأخر مما جعل أفراد هذه الجماعات تنفر من بعضها البعض.

ولذلك يمكن القول أن التحلل الاجتماعي للجماعات يأتي في مفهومه المختصر ليوضح لنا مدى التطور التاريخي الذي مرت به الجماعات في كثير من المجتمعات البشرية.