يمثل يوم التأسيس البدايات الأولى لتشكل الدولة السعودية، ويعيد قراءة اللحظة التي انطلقت منها مسيرة بناء كيان سياسي واجتماعي استمر وتطور عبر القرون. وليس الاحتفاء بيوم التأسيس مجرد استرجاع لحدث تاريخي، بل هو تأمل منهجي في جذور الهوية الوطنية، وفي القيم التي تأسست عليها الدولة، وفي الامتداد الحضاري الذي يربط الماضي بالحاضر ويؤسس لرؤية المستقبل.

يعود يوم التأسيس إلى عام 1727م، حين وضع اللبنات الأولى للدولة السعودية الأولى في الدرعية، مؤسسًا مشروعًا سياسيًا ارتكز على الاستقرار والوحدة ونشر الأمن في محيط كان يعاني من النزاعات والشقاقات . وقد شكّل هذا الحدث نقطة تحول في تاريخ الجزيرة العربية، إذ انتقل المجتمع من حالة التفكك المجتمعي إلى إطار دولة تسعى إلى تنظيم الحياة العامة وفق الأسس النظامية المستمدة من الشريعة الإسلامية السمحة . ومن هنا، فإن جذور الهوية الوطنية السعودية مسار تاريخي ممتد يقوم على فكرة الدولة الجامعة التي تنصهر فيه الهويات الفرعية ضمن هوية وطنية أوسع، تحمي التنوع وتمنع تحوّله إلى مصدر صراع.

إن الهوية الوطنية السعودية، هي منظومة العناصرالمشتركة من الرموز والقيم والثقافة التي تمنح الأفراد شعورًا بالانتماء إلى كيان واحد. وهي تتكون عبر تفاعل عناصر متعددة: الدين، واللغة، والتاريخ، والجغرافيا، والثقافة تداخلت هذه العناصر لتنتج هوية متماسكة، قوامها العقيدة الإسلامية، واللغة العربية، والولاء لقيادة ذات إرث سياسي  سعت إلى تحقيق الوحدة والاستقرار وتطبيق أحكام الشريعة السمحة . وقد تعزز هذا المسار لاحقًا على يد الملك عبدالعزيز آل سعود – طيب الله ثراه – الذي أعاد توحيد البلاد عام 1932م، مؤسسًا الدولة السعودية الحديثة على امتداد تاريخي متصل بجذورها الأولى.

ولا يمكن فهم عمق الهوية الوطنية دون استحضار تضحيات الآباء والأجداد الذين أسهموا في تثبيت أركان الدولة عبر مراحلها المختلفة. فقد واجهوا تحديات سياسية واقتصادية وأمنية جسيمة، وكان عليهم أن يبنوا مؤسسات الدولة في بيئة محدودة الموارد . تلك التضحيات لم تكن مجرد مواجهات عسكرية، بل شملت أيضًا صبرًا على شظف العيش وقلة ذات اليد، وجهدًا في ترسيخ قيم العدالة والتكافل، وسعيًا دؤوبًا لإرساء قواعد الحكم الرشيد. ومن منظور اجتماعي، شكلت هذه التضحيات رأسمالًا رمزيًا متوارثًا، يغذي الوعي الوطني ويمنحه بعدًا أخلاقيًا وواجبا دينيا وأخلاقيا . أسهمت هذه التضحيات في بناء الهوية الوطنية مما يعزز مفهوم المواطنة ، ويرسخ مفهوم العلاقو التكاملية والمسؤولية بين القيادة والمواطن .

إن استدعاء الماضي في يوم التأسيس لا يعني الارتهان إليه، بل يعني توظيفه بوصفه مصدرًا للشرعية التاريخية والإلهام الحضاري. فالأمم التي تمتلك ذاكرة حية قادرة على إعادة قراءة تجربتها التاريخية قراءة نقدية، تستخلص منها الدروس وتعيد توظيفها في سياقات جديدة، فالتاريخ في جوهره ليس مخزونا من الأحداث بل خبرات متراكمة ومن هنا، فإن تعزيز الهوية الوطنية يقتضي تحويل الذاكرة إلى وعي، والوعي إلى ممارسة، وهذا يتطلب دورًا فاعلًا للمؤسسات التعليمية والثقافية في ترسيخ فهم عميق لتاريخ الدولة . إن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بيت الأصالة والمعاصرة بمعنى آخر : الحفاظ على الثوابت القيمية مع الانفتاح على أدوات التطوير والتحديث والتنافسية العالمية .

إذن رؤية المستقبل ،هي الامتداد الطبيعي لجذور الماضي. وهي تقوم على إعداد جيل واعٍ بتاريخه، مدرك لمسؤوليته، وقادر على الإسهام في مسيرة التنمية بروح  لانتماء والمسؤولية والكفاءة. فالمواطنة مشاركة فاعلة في تحقيق الأهداف الوطنية. ويتجلى ذلك في الالتزام بالقوانين، والإسهام في الأعمال التطوعية، والإبداع في مجالات العلم والاقتصاد والثقافة. وبهذا المعنى، يصبح كل إنجاز فردي لبنة في صرح الهوية الوطنية.

تتجلى آفاق المستقبل في مشاريع التحول الشامل التي تستند إلى رؤية واضحة المعالم، وفي مقدمتها مشروع التحوٌل الوطني نحو المستقبل ” رؤية السعودية 2030 “،  التي تضع الإنسان في قلب التنمية. فالرؤية تؤكد على تمكين المواطن، وتعزيز قدراته، وفتح آفاق جديدة أمامه في مجالات العمل والابتكار وريادة الأعمال. كما تسعى إلى حفاظ الهوية الوطنية في مواجهة التغيرات العالمية. وتؤكد على القيم الثقافية والدينية التي تشكّل أساس الهوية السعودية، وتعمل على نقلها للأجيال الجديدة بطريقة تتواءم مع معايير العصر، بحيث تصبح جزءًا من التنمية المستدامة. وهذا التكامل بين الأصالة والمعاصرة يجعل من الرؤية نموذجًا عمليًا لتحقيق التنمية المتوازنة وانطلاقا نحو المستقبل.