ليت الزمان يعود
كنا صغارا عشنا الماضي بكل تفاصيله كان زمان لا يشبه الأزمنة، ولا يقاس عليها، ولا يستعاد إلا في رجفة حنين عابرة، تمر بالقلب كما تمر نسمة على أطلال دار قديمة.
لم تكن تمر بنا تلك الأيام صامتة كما تفعل الآن، بل كانت تسبقنا بعطرها، وتعلن حضورها في أرواحنا قبل أن تحل في ساعاتنا. كان للماضي الجميل عبير خاص، لا يشبه عطرا يشترى، ولا يحفظ في قارورة، بل يولد في القلب ويقيم فيه طويلا.
كان زمنا له بريق أخاذ لا ينطفئ، وإن غاب عن العيون بريقه لم يكن في ذهب ولا في زخرف، بل في صفاء الأرواح، في ضحكة تخرج من الأعماق بلا حساب، في دمعة سريعة تجف سريعا لأن الحزن يومها لم يكن يعرف طريق الإقامة في قلوبنا الصغيرة. كان زمن النقاء والألفة، زمنا تتعانق فيه القلوب قبل الأيدي، وتتصافح فيه الأرواح قبل الأجساد.
كانت تفاصيل الحياة الصغيرة تتعلق بأذهاننا كما تتعلق قطرات الندى بأطراف الزهر. لا تسقط بسهولة، ولا تذبل سريعا كان للطفولة أنف آخر، أنف يرى كنا لا نشم الأشياء فحسب، بل نلمسها بأرواحنا. كانت الأيام تعرف من رائحتها قبل أن تعرف من أسمائها، وكان الزمن يمر علينا عطرا، كأنه يحمل في جيوبه أسرارا صغيرة يسكبها في صدورنا كلما اقترب.
كانت للصباح الباكر رائحة لا تشبه سواه حين تفتحه أمهاتنا بالدعاء، رائحة البيوت حين يغمرها دفء الألفة، رائحة الطرقات التي شهدت خطواتنا الأولى، وضحكاتنا التي كانت ترتفع صافية كأنها لا تعرف سوى الفرح.
رائحة الندى حين يفتح عينيه على العشب، ورائحة الخبز حين يخرج دافئا من تنور الأمهات، ورائحة الطرقات وهي تتثاءب قبل ازدحامها. كنا نخرج إلى الضوء ونحن نحمل في صدورنا هواء جديدا، نظنه خلق لتوه من أجلنا، فنمشي بخفة الطيور، ونضحك دون سبب، كأن النهار وعد شخصي لنا وحدنا.
وكانت للقيلولة عبيرها الخاص؛ رائحة الهدوء وهو ينسدل على الجدران، رائحة الوسائد التي حفظت أسرار أحلامنا، ورائحة البيوت حين تستكين تحت شمس الظهيرة. كنا نغفو لا لأننا تعبنا، بل لأن العالم صار أليفا إلى حد يسمح لنا أن نغلق أعيننا مطمئنين، نترك الزمن يحرسنا، ونغيب في أحلام بيضاء لا تعرف القلق.
ثم تأتي رائحة ما بعد العصر؛ رائحة اللعب في الأزقة، والغبار العالق بثيابنا، وعرق البراءة وهو يمتزج بضحكاتنا العالية. كان للغروب مذاق دافئ، كأن الشمس تودعنا بحنو أم، وتعدنا بلقاء قريب. وكانت خطواتنا إلى البيت مثقلة بنشوة صغيرة، لا نعرف لها اسما، لكنها كانت تسكننا طويلا.
ولنهاية الأسبوع عطر آخر؛ رائحة الاستيقاظ المتأخر، ورائحة الزيارات العائلية، والقهوة التي تعد على مهل، والوقت الذي يتمدد بلا خوف. كان الزمن في تلك الأيام كريما، يفتح ذراعيه لنا، فلا نحسب ساعاته، ولا نخشى انقضاءه. وكأن الحياة كانت تقول لنا: خذوا مني ما شئتم، فأنا واسعة بما يكفي لأحلامكم.
أما رائحة الدخول المدرسي، فكانت مزيجا من رهبة وفرح؛ رائحة الكتب الجديدة، والدفاتر البيضاء، والمآزر المكوية بعناية. كنا نشم في الورق مستقبلا لا نراه، ونستقبل عاما كاملا بقلب يخفق كما يخفق باب يفتح على المجهول. كانت المعرفة آنذاك عطرا، وكانت الحروف حدائق صغيرة نتنزه فيها دون خوف.
وكان لرمضان نسيمه الخاص؛ رائحة السحور في آخر الليل، والبيوت التي تستيقظ على همس الدعاء، ورائحة الموائد حين تجتمع حولها القلوب قبل الأجساد. كنا نشم في الهواء روحا مختلفة، كأن السماء تقترب من الأرض قليلا، وكأن الرحمة تمر بين الأزقة في صمت مهيب.
ثم تأتي رائحة العيد؛ عطر الملابس الجديدة، والحلوى، والقبلات المتبادلة، والنقود التي تعطى بأيد باسمة. كان الفرح يومها محسوسا، يشم كما يرى، ويسمع كما يلمس. كنا نركض بين البيوت ونحن نحمل العيد في جيوبنا، وفي أعيننا، وفي قلوبنا الصغيرة التي لم تعرف بعد معنى الفقد.
ثم فجأة... اختفى كل شيء.
أين ذهبت تلك الروائح؟ أضاعها الهواء، أم أضعنا نحن قدرتنا على التقاطها؟
أكبرنا حتى بهتت حواسنا، أم ثقلت أرواحنا فلم تعد خفيفة بما يكفي لتشم التفاصيل؟
ربما لم تختف الروائح، بل اختفت دهشتنا. كبرنا، فصار الصباح موعدا للعمل لا معجزة يومية، وصارت القيلولة ترفا نادرا، وغابت الأزقة خلف شاشات مضيئة. صار الدخول المدرسي مسؤولية، لا مغامرة، وصار رمضان عادة أكثر منه انتظارا، وصار العيد محطة عابرة في جدول مزدحم.
كبرنا، فتعلمنا الحساب... وخسرنا الدهشة.
تعلمنا أن نسرع، ففاتتنا الأشياء الصغيرة التي كانت تمنح الحياة عطرها. لم تضعف حواسنا بقدر ما ازدحم قلبنا. امتلأنا بالهموم حتى لم يبق مكان لرائحة الخبز، ولا لنسمة الندى، ولا لورق الكتب الجديدة.
ليت الزمان يعود نقولها ونحن نعلم أن الزمن لا يعود، لكنه يبتسم في مكان ما داخلنا. فالطفولة ليست مرحلة مضت، بل قدرة على الشعور. وإذا استطعنا أن نخفف عن أرواحنا ثقل الأيام، وأن نبطئ خطونا قليلا، وأن نمنح اللحظة حقها من الانتباه، ربما عادت الروائح إلينا لا كما كانت، بل كما ينبغي أن تكتشف من جديد.
الماضي لا يعود كما كان، لكنه لا يرحل تماما. يسكننا، يشكلنا، ويمنحنا جذورا في أرض الذكريات. تلك التفاصيل العالقة في أذهاننا ليست عبئا، بل عزاء؛ تذكرنا بأننا عشنا زمنا صافيا، وأن في أعماقنا نسخة أنقى من أنفسنا، لم تفسدها صخب الحياة.





