ألسنة بلا منطق
في بيئات العمل، نصطدم كل يوم بعجائب وغرائب هذه الحياة، ومع طول الخبرة تتكشف أمامنا صور لا تخطر على بال. فمن خلال سنوات العمل رأينا صنوفا غريبة من الموظفين، لا يشغلهم من أمر الحياة شيء سوى تتبع عثرات زملائهم، والتنقيب عن أخطائهم، وتصيد الزلات صغيرها قبل كبيرها. قد نجالس الكثير، ولكننا نفيق فجأة على حقيقة الوجوه التي تحيط بنا؛ وجوه نراها كل يوم، نحادثها، نبتسم لها، ونتقاسم معها تفاصيل الوقت والجهد، وربما الأحلام الصغيرة التي تولد بين جدران الوظيفة، دون أن ندرك أن بعض تلك الوجوه لا يصلح أن يكون مستودعا لكلمة عابرة، ولا وعاء لحديث ولد من رحم الثقة.
كم هو صادم أن نكتشف، متأخرين، أن كلماتنا التي خرجت بريئة، وأحاديثنا التي قلناها بصدق أو فضفضة، قد شوّهت ونقلت بالحرف، أو بما هو أسوأ من الحرف، إلى آخرين، أو إلى رؤسائنا في العمل، لا بدافع الحرص ولا طلبا للإصلاح، بل سعيا للفتنة، وتغذية لشر صغير يسكن نفوسا اعتادت أن تعيش على هامش الأخلاق. إن هذا المشهد الهادئ، مع كل أسف، لا يخلو من ظلال قاتمة، يمثلها أولئك الذين لا يوثق بهم، والذين يتحولون من زملاء إلى معاول هدم، لا تبني ولا تصلح، بل تنخر في جسد الثقة بصمت.
هؤلاء لا يرفعون أصواتهم بالعداء الصريح، ولا يعلنون خصومتهم علنا، بل يتقنون فن الهمس، ويجيدون نقل الأحاديث محملة بالتأويل وسوء القصد. إنهم يعتقدون أن نقل الحديث دليل ولاء، وأن إفشاء المجالس ذكاء، متناسين أن الثقة لا تبنى على أنقاض الآخرين. فالرئيس الحكيم لا يحتاج إلى ناقل كلام، بل إلى صاحب رأي صادق، وعمل نزيه، وضمير لا يتلون حسب اتجاه الريح. أما أولئك فيخلطون بين الحنكة والتزلف، وبين النصيحة والوشاية.
وللأسف قد يجد هذا السلوك قبولا عند بعض المدراء، لا لأن صاحبه مخلص أو مجتهد، بل لأنه يصطاد في المياه العكرة، ويقدم صورة مشوهة عن زملائه، فيغذي الشك ويزرع الفرقة. وهنا تتحول بيئة العمل من ساحة إنتاج إلى ساحة ترقب وخوف، ويقتل الإبداع في مهده، لأن النفوس المراقبة لا تبدع.
إن التنصت ونقل الكلام طلبا للفتنة ليس مجرد فعل عابر، بل خصلة ذميمة وخيانة لروح الزمالة، تكشف ضيق الأفق، وتفضح خواء القيم. هو سلوك لا يصدر إلا عمن اعتاد الإصغاء لا للفهم، بل للاصطياد، وليس حرصا على مكان العمل، بل معول هدم لأسسها. فالعمل لا ينهض بالعيون المتربصة، بل بالسواعد المتعاونة، ولا يبنى بالوشاية، بل بالصدق، والعدل، وتكافؤ الفرص.
إن بيئة العمل السليمة لا تقوم على الخوف، بل على الاحترام. ومن أراد أن يكون عنصر بناء، فليحفظ المجالس، وليجعل عمله هو صوته، وإنجازه هو رسالته.
وهكذا نتعلم، وإن كان الثمن باهظا، أن ليس كل من جاورنا جديرا بقربنا، ولا كل من استمع إلينا أهلا لثقتنا. فالكلمات، مثل القلوب، لا تمنح إلا لمن يعرف قيمتها، ويحفظ حرمتها. سيظل الموظف العصفور، مهما علا صوته، مجرد ظل عابر، لأن المكانة الحقيقية لا تمنح لمن ينقل الكلام، بل لمن يترك أثرا طيبا، ويصنع فرقا نزيها، ويعمل بصمت دون أن يفتش في عثرات غيره.





