ما الذي يحدث لقيمنا على منصات التواصل الاجتماعي ؟
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي منصّاتٍ للتقارب بقدر ما أصبحت ساحاتٍ تُدار فيها المعاني، ويُعاد فيها تعريف القيم، أحيانًا على نحوٍ مقلق. ففي زمنٍ تُقاس فيه المكانة بعدد المتابعين، لا بجودة الأثر، برزت نماذج تبحث عن الضوء بأي ثمن، ولو كان ذلك عبر الاصطدام بثوابت المجتمع، أو السخرية من قيمه، أو التمرّد عليها لفظًا وسلوكًا.
المفارقة أن هذا السلوك، بدل أن يُواجَه بالرفض، يجد القبول والاحتواء، بل يتحوّل صاحبه إلى “مؤثّر”، ويُمنح سلطة رمزية على فئة مجتمعية تظن أنها وجدت فيه صوتها أو متنفسها. ومع تزايد التفاعل والإعجاب، يتضخم الوهم، ويُخيَّل لصاحبه أنه بات قائدًا أو ملهمًا، لا لحكمة يحملها، ولا لخبرة يملكها، بل لمجرد خروجه الصاخب عن المألوف.
الأخطر من ذلك أن هذا النموذج لا يعيش وهمه وحده؛ بل يجرّ خلفه جمهورًا يعلّق عليهم آمالًا زائفة، وينسى أن ما يجمعهم بهم ليس سوى انجذابٍ مؤقت، لا هوية جامعة ولا هدفًا واضحًا، تحكمه الرغبة في التسلية أو الهروب من واقعٍ ضاغط. ومع الوقت، تتحول القيم الدينية والمجتمعية إلى عبءٍ يجب التخلص منه، إن تعارض مع سلطة المال أو شهرة المنصّة.
وفي قلب هذا المشهد، تمدّد الاستعراض من كونه سلوكًا هامشيًا إلى ثقافة تنافس، حتى بدا وكأن المنصّات تحوّلت إلى سوقٍ مفتوح، تُعرض فيه القيم، وتُساوَم فيه المبادئ، ويُقاس الحضور بجرأة العرض لا بكرامة الوجود. سباقٌ محموم على لفت الانتباه: من يجذب أكثر؟ من يدرّ أرباحًا أعلى؟ ومن يكسر الخط الأحمر التالي؟
لسنا هنا أمام حرية شخصية بقدر ما نحن أمام منظومة تشجّع هذا السلوك وتكافئه، فتقدّم الابتذال بوصفه شجاعة، والتجرّد بوصفه تحررًا، وتحوّل الجسد—أو القرب الإنساني—إلى مادة استهلاك، تُسوَّق وتُستهلك باسم “المحتوى”.
وفي الضفة الأخرى، نرى من يصنع شهرته عبر إهانة من حوله، أو استغلال صداقاتهم، فيحوّل القرب الإنساني إلى مادة للضحك، والإنسان إلى أداة للمشهد. والمفارقة أن بعض من يتعرضون للإهانة يشاركون فيها طوعًا، مقابل لحظة ظهور أو تصفيقٍ عابر، فيكتمل مشهد الإسفاف تحت لافتة الانتشار.
هنا لا تكمن المشكلة في المنصّات ذاتها، بل في الفراغ القيمي الذي يُملأ من خلالها. حين يصبح الهدف الأوحد هو جمع المال، ولو على حساب الكرامة، وحين تتحول الإهانة إلى مهارة، والتعلّق إلى ثقافة، نكون أمام مجتمعٍ يستهلك المعنى بدل أن يصنعه.
إن أخطر ما يخلّفه هذا الوهم، أنه يُقنع الناس بأن الضجيج إنجاز، وأن الشهرة قيمة، وأن الضوء وحده كفيلٌ بمنح الشرعية. بينما الحقيقة أن المجتمعات لا تُبنى بالتصفيق، ولا تُدار بالسخرية، ولا تُنقذها وجوهٌ تتقن لفت الانتباه أكثر مما تتقن تحمّل المسؤولية.
ووسط هذا كله، يبقى السؤال الأهم: هل نعيش عصر التواصل… أم عصر الوهم الذي تواصلنا معه حتى صدّقناه؟





