السقوط إلى القمة
في مرحلة الطفولة، يبدو أنَّ كل شيء يمكن أن يكون مغامرة، وكل لحظة تحمل في طياتها طعماً جديداً من التحدي. تلك الفترة التي نعيشها كما لو أنها نزهة طويلة لا تنتهي، لا نتوقف خلالها عن الركض وراء اللحظات الجميلة مهما كانت عواقبها، ولا نفكر في ما قد يترتب على قراراتنا المتهورة من ألم أو خطر. وحدها الاندفاعات الطفولية والشجاعة المفرطة تسيطر على تفكيرنا، في حين تظل العواقب مجهولة وغير مرئية في أفق لا نهائي. تلك هي الطفولة التي لا تعترف بالمستحيل، ولكن، في لحظة واحدة، قد تنقلب تلك البراءة إلى تجربة قد تكون أحيانا مريرة وتحمل معها درساً عظيماً في معركة الحياة.
كنت في العاشرة من عمري، في تلك الفترة التي تتمازج فيها البراءة مع الحماسة دون حساب للعواقب. كنت ألعب مع فتيات الجيران في حينا القديم نقتسم الوقت والضحك ونبني عوالم صغيرة من البراءة. كانت ضحكاتنا تتناغم مع أصوات الرياح، وكان كل شيء يبدو كما لو كان مجرد امتداد لحكاية لا تنتهي من الفرح والمرح. في ذلك اليوم، كما في كل الأيام الأخرى، كنا نلعب بجوار أحد المنازل المهجورة، والذي كان في حالته المتدهورة مجرد أطلال، لا تكاد تحكي شيئاً سوى بقايا الماضي.
كانت جدرانه المتداعية وبعض الحجارة المتناثرة على الأرض شاهدة على زمن مضى، لكن ذلك اليوم لم يكن كغيره. كان يوماً قدّر له أن يظل عالقاً في ذاكرتي إلى الأبد.
كان الجدار العالي المتهالك أمامنا، الذي بالكاد كان ثابتاً في مكانه، يثير في داخلنا فضولاً وعشقاً للمغامرة. بدا لنا وكأنه تحدٍ يستحق أن نخوضه، وأن نكون جزءاً من قصة مليئة بالجرأة والمغامرة. لا أحد منا كان يفكر في الخطر الذي يحدق بنا، ولا في العواقب المحتملة لمثل هذه اللعبة.
ومن بيننا، اقترحت إحدى الفتيات أن نلعب لعبة التحدي. كانت اللعبة ببساطة: "من ستتمكن من تسلق الجدار العالي، من دون أن تسقط، هي الفائزة." لم يتردد أحد، فكلنا كنا نشعر أننا في لحظة من المتعة التي لا تتكرر. بدأنا نعد العدة للتسلق، كل واحدة منا تتطلع إلى الوصول إلى قمة الجدار، حيث يُنظَر إليها كما لو أنها حققت شيئاً استثنائياً.
كانت أولى المتسلقات هي من اقترحت الفكرة. بدأت بحماس، ولم تستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تصل إلى منتصف الجدار. ولكن فجأة، تراجعت وأصابها الإرهاق، وعجزت عن مواصلة الصعود. شعرت بأنها لا تستطيع إكمال التحدي، فانزلقت إلى الأسفل وطلبت الانسحاب.
ثم جاء دور الأخرى، التي حاولت أن تتسلق الجدار، لكن سرعان ما أدركت صعوبة المهمة، كان التسلق أقوى من قدرتها، وفجأة وجدت نفسها أسفل الجدار، لم تستطع الصمود أمام هذه المغامرة الشاقة التي دخلت فيها.
أما بالنسبة لي، فقد كان شعور بالفخر والمغامرة يملأ قلبي، كنت مقتنعة بأنني سأكون قادرة على تجاوز التحدي، لم أفكر في المخاطر، ولم ألتفت إلى التحذيرات أو النصائح، لم يكن هناك شيء يمكن أن يوقفني.
بدأت بتسلق الجدار بحماس، ومع كل خطوة كنت أقترب أكثر من القمة، شعرت بشيء من التعب والإنهاك، لكن عزيمتي كانت أقوى. تخطيت منتصف الجدار، وقلت في نفسي: "لن أتوقف الآن، سأصل إلى النهاية." كان الجدار مهدماً، وكل حجر فيه كان متساقطاً أو غير ثابت. ومع ذلك، استمريت. شعرت بآلام خفيفة في يدي وقدمي، لكنني أكملت، حتى وصلت إلى القمة، حيث كان آخر حجر في الجدار ينتظرني،
ولكن في لحظة لا يمكنني أن أنساها، وبينما كانت يدي تصل إلى الحجر الأخير، شعرت بشيء غريب، كان الحجر غير مستقر، وكأنّه على وشك السقوط، حاولت السيطرة عليه، لكن الوقت كان ضيّقاً جداً، وفي لحظة خاطفة، لم أتمكن من التماسك، فإذا بي أسقط سقوطاً مدوياً.
كانت الأرض صلبة، وكان وقع السقوط شديداً، ارتطمت قدمي بشدة بالأرض وفوقها استقر ذلك الحجر الأخير من الجدار مما تسبب في جرح غائر شق قدمي وتدفق الدم بغزارة.
لم أستطع الشعور بشيء سوى الألم الشديد، كان كأنَّ الدنيا كلها قد توقفت في تلك اللحظة، وصوت ضربات قلبي هو الوحيد الذي أسمعه.
نُقلت على وجه السرعة إلى أقرب مستوصف، ولا أزال أذكر جيدًا تفاصيل ذلك، ومنها أنه قد تم خيّاطة ذلك الجرح الغائر وأنا بكامل وعيي، دون أي مخدر أو مسكن، وذلك لقلة إمكانيات ذلك المستوصف في ذلك الوقت.
كانت الإصابة في قدمي بليغة، لم تكن مجرد كسر أو جرح يلتئم مع الأيام، بل علامة راسخة رافقتني عبر السنين. كبرتُ، وتغيرت ملامحي، وتبدلت اهتماماتي، لكن تلك الإصابة بقيت كما هي، شاهداً صامتاً على لحظة بعيدة في الزمن، وكلما نظرت إليها، عادت الحادثة حيّة في ذاكرتي، كأنها وقعت بالأمس.
ليست الندوب مجرد آثار على الجسد، بل هي مفاتيح للذاكرة. تفتح أبواباً لمشاعر قديمة، لأصوات وضحكات توقفت، ولأيام لم تعد كما كانت. بعض الأحداث لا تُنسى، لا لأننا نريد تذكرها، بل لأنها اختارت أن تبقى، تفرض حضورها علينا كلما رأينا أثرها، وكلما لامسنا موضع الألم القديم.
ومع مرور الزمن، نتعلم أن التعايش مع كل ما مر بنا هو جزء من نضجنا، لا نستطيع محو ما حدث، لكننا نستطيع أن نتقبله، فكل علامة في أجسادنا تحمل قصة، وكل قصة ساهمت في تشكيلنا كما نحن اليوم. ربما لم تكن تلك السقطة مجرد حادث طفولي، بل درسًا مبكرًا عن هشاشتنا، وعن أن بعض اللحظات الصغيرة قادرة على أن تترك أثراً لا يزول.
بعض السقطات لا تمرّ كما نتوقع، بل تترك أثراً أعمق من الجراح، أثراً يسكن الذاكرة قبل الجسد.
هكذا نمضي في الحياة، نحمل ندوبنا معنا، لا باعتبارها عبئا، بل شهادة على أننا عشنا، وسقطنا ثم نهضنا وتعلمنا الحياة بأحداثها المختلفة. إن الطفولة، رغم كونها فترة من البراءة، هي أيضاً مليئة بالدروس والعبر، كل لحظة قد تكتنز معها فرصة لتعلم شيء جديد، وكل قرار قد يحمل ثمنه الخاص. قد تكون تلك اللحظة التي عشتها في العاشرة من عمري نقطة تحول في فهمي لما هو مهم في الحياة. ربما كان الألم هو الثمن الذي دفعته للتعلم.





