حين يكون الصبر سياسة… والحسم ضرورة
ليس كل بيتٍ تُدار شؤونه بالعدد، ولا كل إخوةٍ يتماسك جمعهم بلا عقلٍ راجح.
في هذه الحكاية، كان فلاح هو الأكبر سنًّا ومقامًا، لا بسلطة مفروضة، بل بحضورٍ جامع. كان بمثابة الأب، يساند إخوته، يقوّي عزائمهم، يحلّ مشاكلهم، ويدعم قراراتهم، رافضًا أن يُمسّ أحدهم بسوء. كان يرى أن الاتحاد هو الدرع الوحيد أمام العواصف.
لكن وحدة الصف لا تُختبر في الرخاء، بل في أول شرخ.
حينها حاول عزيز، الأخ الذي يليه، الانقلاب على هذا التوازن. حُذّر، ونُبّه إلى خطورة ما يقدم عليه، وأن العناد في مثل هذه المواضع لا يقود إلا للخسارة. ومع ذلك، مضى في طريق الأذى، فقطعت أواصر الرحم، ودخل الجميع في قطيعةٍ ظنّها قوة.
لم تمضِ الشهور طويلًا حتى جاءت العاقبة. في ليلةٍ قاسية، انتهك بيت عزيز واستُبيح ماله، ولم يجد حوله من يقف معه. عندها، لم يجد بابًا يُفتح إلا باب فلاح.
فتح له الباب، لا شماتةً ولا حسابًا، حتى انحلّت الغمّة. هناك فقط أدرك عزيز أن ما فعله لم يكن شجاعة، بل شيطنة وعنادًا ومكابرة على مصالحه واستقراره.
ورغم ما حدث، لم يتغيّر فلاح. بقي حريصًا على إخوته، صابرًا على أذاهم، مقدّمًا المصلحة العامة على مصلحته الخاصة. لم يكن يرى في الصبر ضعفًا، بل استثمارًا طويل الأمد في وحدةٍ تحمي الجميع.
غير أن الاستقرار لا يُرضي دائمًا الجميع.
ظهر غانم، أراد التمرّد والتفرّد بالقرار، وإزاحة فلاح من مقامه، ضاربًا باتحاد الإخوة عرض الجدار. ظنّ أن القوة وحدها تكفي، فحاول مرارًا وتكرارًا، ولم يُجدِ شيء مما فعل. وجد نفسه أمام مأزق صنعه بيده، فتراجع، وصحّح ما جنته يداه، بعد أن أدرك أن العبث بالبنية لا يصنع زعامة.
عاد الهدوء، وعمّ السلام… إلى أن جاء التمرّد الأخطر.
تمرّد عايض وراشد، واتحدا مع عدوّهم وعدوّ راشد، يعقوب. خُطّط في الخفاء، ومُدّت الخيوط لإقحام الجميع في متاهاتٍ لا نهاية لها. وكان فلاح يرى كل شيء، ويمدّ يده بالعفو والتنبيه، محذرًا من الخطر المحدق.
لكن الغيّ حين يعمي، لا يسمع النصيحة.
نُسجت الأكاذيب، وسُردت روايات غير صادقة، وصبر فلاح طويلًا، لا عجزًا، بل إيمانًا بأن آخر الدواء الحسم. وحين جاء الوقت، أعطاهم درسًا جعلهم يدركون عواقب أفعالهم، فوجدوا أنفسهم في دائرةٍ مغلقة، لا خلاص منها إلا بالعودة إلى النظام، والانضواء تحت القرار الجامع.
وحين نُطقت الكلمة الأخيرة، لم تكن طويلة ولا منمّقة.
كانت كلمة واحدة فقط…
كافية لإيقاف كل شيء:





