التذكرة إلى عالم الخلود
الآية القرآنيّة "الكريمة إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ هي المقياس الإلهي للمفاضلة بين البشر، وتؤكد أن التفاضل لا يكون بالنسب أو المال أو الحسب، بل بـتقوى الله عزوجل وطاعته، حيث أن أشدكم اتقاءً لله وخشيةً له هو الأكرم عند الله.
ومن هذا المنطلق، لم يذكر الله عزوجل كيفية بعض العبادات وكثرتها وقلتها والزيارات الخ ... بل جعلها مفتوحة للسباق للخيرات، ولذلك تؤكد التقديرات أن آيات الأخلاق في القرآن الكريم تفوق آيات العبادات بشكل كبير، حيث تشير الدراسات إلى وجود أكثر من 1,500 آية تتناول الأخلاق والمعاملات، بينما آيات العبادات المباشرة تُقدر بنحو 110 إلى 130 آية فقط.
وأنا أعتقد ك كاتب انه مقياس ضخم جداً، يدعو الانسان للتفكير والتدبر مرة ومرتين وملايين المرات في هذه الآية المباركة، قراتها سهله جداً ولكن العمل بها ليس لها حدود، سباق مع الزمن.
فلو تمعنا قليلاً، نلاحظ الأنبياء جميعهم لم تقف رسالتهم إلى حدود الدعوة فقط، بل تجاوزت إلى أبعاد لا حدود لها ولا يستوعبها العقل البشري. على سبيل المثال لا الحصر:
* نبي الله نوح "عليه السلام "هو من دعا قومه إلى عبادة الله وحده وترك الأصنام لمدة 950 سنة، كما ذكر في القرآن الكريم: "فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا". استمرت دعوته طويلاً، ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، ومع ذلك، لم يؤمن معه إلا قليل من قومه. والشي الملفت للانتباه والذي يستحق الوقوف له الصبر العظيم، وبناء سفينة نوح كان بأمر إلهي وفقاً للديانات السماوية، حيث أمره الله بصنع سفينة ضخمة من خشب الجوفر غالباً ما يعتقد أنه الأرز لتنجو به وعائلته والمؤمنين والحيوانات من الطوفان العظيم، وكانت بأبعاد محددة ومقسمة لثلاثة طوابق للحيوانات والناس والنفايات، وتمت تغطيتها بالقار من الداخل والخارج كما هو مذكور في الروايات. لم يكتفي النبي بالدعوة، بل خرج من دائرة الدعوة الى دائرة أخرى إضافية وهي العمل الميداني وقومه يسخرون منه خلال عملية البناء.
* نبي الله داوود "عليه السلام" خرج يوم من الأيام يتفقد الناس، وهو ملثم الوجه، سئل أحد الأشخاص "كيف ترا داوود بالحكم؟" أجاب الرجل: نعم الحاكم ونعم النبي ولكنه يأكل من بيت المال. طبعاُ، لا توجد مشكلة من أخد من بيت المال لآنه يعتبر موظف للشعب. ولكن كان القصد هو الترفع من أخد من بيت المال، فسلك النبي مسار آخر وترفع عن بيت المال، ألان الله تعالى الحديد كمعجزة، فصار في يديه طيّعاً كالعجين أو الطين دون الحاجة لنار أو مطرقة.
* خاتم النبيين النبي محمد "صلى الله عليه واله وسلم"، وهو نبي وجوهرة الإسلام، لم يكتفي بشرف النبوة وهيبتها العظيمة، ففي جميع الغزوات الإسلامية ونشر دعوة الحق، يشرف على المقاتلين والخيول وخطط المواجهة الخ، ومن ثم يدعو الله تعالى.
* الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) رمزاً للشجاعة والفروسية في التاريخ الإسلامي، حيث عُرف بإقدامه الذي لم يعرف التراجع، وكان سيفه "ذو الفقار" حاسماً في نصرة الدين. برزت شجاعته في كافة المعارك النبوية (بدر، أحد، الخندق، خيبر) ولم يسجد لصنم قط، مما جعله من أشجع مقاتلي الإسلام. بالإضافة لكون إمام وخليفة المسلمين.
* الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، عُرف بغزارة علمه في الفقه، التفسير، الحديث، والكيمياء والفلك، مُؤسساً نهضة علمية عبر آلاف التلاميذ (أبرزهم جابر بن حيان). بالإضافة للعلوم الدينية، توجه إلى ابعد من ذلك بكثير وهي علوم الكيمياء والفلك.
* واخيراً، سورة لقمان بالقرآن الكريم، شخص داكن البشرة، راعي غنم ومملوك إلى رجل. سئل لقمان كيف أتيت بالحكمة؟ أجاب: قدر الله، أداء الأمانة، صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. نعم أصبح أحد أولياء الله، يقرا اسمه على مسامع البشر إلى يوم الدين. شي عظيم، فلا تحقرن من الطاعة شي، عسى أن يكون رضي الله به.
قد يعمل الشخص في العبادات عشرات بل مئات المرات، قد يكون الشخص عالم وعلمه منتشر في كل اصقاع العالم، لكن مع كل هذه السنوات من العبادات والعلم لا تجد الرضى والقبول عند الله عزوجل لسبب ما قد يجهله العبد، اما لخلل بسيط أو قد وجدت القبول مقدماً دنيوياً فقط ك احترام الناس له وحصوله على الاجر المادي. ويواجه هذا العالم أو العبد المثقل بالعبادات والعلم حاله من النقص الحاد في رصيد الاخرة. بينما ترا شخص آخر، دخل الجنة بسبب رفقه بالحيوان وتقديم الماء لهم، وهو بعيد عن فصول الايمان. فلا تحقرن من الطاعة شي عسى أن يكون رضي الله فيه.
وفي المقابل لا تحقرن من المعصية شي، فهناك قصة جميلة عن ملك ملطخة أعماله بالطاغي من قتل وسلب أموال الناس ... الخ، ذات يوم خرج الملك حول القصر، شاهد كوخ خلف القصر. رجع إلى القصر منزعج. وسئل الحاشية: إلى من يعود هذا الكوخ؟ قالو له: أمراه عجوز ي جلاله الملك، تخرج صباحاُ تبحث عن الخبز، ثم ترجع إلى الليل هذا الخوخ. أمر هذا الملك بإزالة الكوخ.
قالو له إنه بعيد عن اسوار القصر، وليس له تأثير. أصر على إزالة الكوخ. نفذ الأمر الملكي. رجعت العجوز إلى الكوخ، ولم تجده. لم تفعل شي. فقط، رفعت راسها وبصرها إلى السماء، ثم قالت الكلمات القوية: عندما ازيل الكوخ لم أكن موجودة، انت ايضاً لم تكن موجود، لم تراهم؟ النتيجة العظيمة: أوحي الله تعالى إلى الملائكة أن أخسفوا به وبقصرة. القوة والعظمة لله تعالى. ولذلك، يجب علينا الدخول في سباق مع الزمن في أكثر من مسار، كسلاح ذو الرصاص الانشطاري أو متعدد الاتجاهات، لعلى وعسى أن نفلح ونصيب رضى الله تعالى وقبول العمل وحسن الخاتمة. فجميعنا فقراء إلى الله تعالى بل مدينون له، ولا نستطيع الوفاء بنعمه العديدة التي لا تحصي ك بعض أجزاء جسم الانسان التي بها ملايين الخلايا تعمل حول الساعة بدقة متناهية. فذهابنا إلى الجنة بلطفه ورحمته.
المصادر:
* القرآن الكريم، صورة الحجرات ايه 13 تفسير السعدي
* نبذه عن بعض الأنبياء والرسل والائمة والصالحين، الذكاء الاصطناعي
* محاضرة، سماحة الشيخ. جعفر الابراهيمي – ليالي استشهاد الامام موسى الكاظم "عليه السلام". January 2026





