تحايل المهن والتزوير النظامي: جريمة تتجاوز مخالفة التوطين إلى تهديد الثقة في سوق العمل
تُعدّ ممارسات التحايل على أنظمة التوطين من أبرز الظواهر السلبية التي تواجه سوق العمل السعودي في المرحلة الراهنة، إذ تمثل خرقًا مباشرًا لمبدأ العدالة في فرص التوظيف، وإخلالًا بقيم النزاهة والشفافية التي تقوم عليها رؤية المملكة 2030. ومن أخطر صور هذا التحايل، قيام بعض العاملين أو المنشآت بمزاولة أعمال تختلف عن المهن المسجّلة رسميًا في عقودهم أو في المنصات الحكومية، بقصد الالتفاف على قرارات التوطين، أو إظهار التزامٍ صوريّ بالأنظمة، في حين أن الواقع العملي يكشف عن مخالفة جوهرية تمسّ صميم النظام القانوني والإداري. وهذه الممارسة، وإن بدت للبعض مجرد مخالفة إدارية أو سلوك تنظيمي غير منضبط، إلا أنها في حقيقتها جريمة تزوير مكتملة الأركان متى اقترنت بالقصد والعلم وتغيير الحقيقة في البيانات الرسمية، لأنها تمسّ مصداقية السجلات الحكومية وتشوه مؤشرات التوظيف الوطنية، وتؤثر على نزاهة بيئة العمل ومبدأ تكافؤ الفرص.
إن جوهر الجريمة في هذه الحالات لا يكمن فقط في اختلاف طبيعة العمل الفعلي عن المسمّى الوظيفي المسجّل، بل في نية التحايل واستخدام البيانات غير الصحيحة لتحقيق غرض نظامي غير مشروع. فعندما تعتمد منشأة مسمّى وظيفيًا صوريًا لعامل يؤدي في الواقع مهام مختلفة، فإنها لا تخالف النظام فحسب، بل تشارك في تغيير الحقيقة أمام الجهات الرسمية، وهو ما يشكّل تزويرًا معنويًا في محررات رسمية إلكترونية، باعتبار أن المنصات الحكومية – كمنصة قوى وأنظمة وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية – تُعدّ سجلات رسمية يُعتدّ بما يرد فيها نظامًا وقضائيًا. ويزداد الفعل خطورة متى تم إدخال بيانات غير صحيحة أو الإبقاء عليها رغم العلم بمخالفتها للحقيقة، إذ يصبح الفاعل – سواء كان الموظف المختص أو صاحب المنشأة أو العامل نفسه – شريكًا في جريمة تزوير تهدف إلى تحقيق وضع نظامي باطل.
ومن المنظور النظامي، فإن الركن المادي في هذه الجريمة يتمثل في إدخال أو اعتماد بيانات مهنية غير صحيحة، أو تسجيل مسمّى لا يعكس طبيعة العمل الفعلية، بينما يتجسد الركن المعنوي في العلم والقصد، أي علم الفاعل بعدم صحة البيانات واتجاه إرادته إلى الاستفادة منها أو تمريرها لتحقيق مصلحة غير مشروعة، كإظهار المنشأة بمظهر الملتزم بقرارات التوطين، أو تمكين العامل من وضع وظيفي يخالف المؤهل أو المهنة المحددة نظامًا. وبذلك، فإن الفعل لا يُعدّ مجرد خطأ إداري أو تهاون في تحديث البيانات، بل جريمة تزوير قائمة متى ثبت القصد والعلم، وتستوجب الإحالة إلى النيابة العامة بوصفها جهة الاختصاص في الجرائم الماسة بالمحررات الرسمية.
ولا تتوقف المسؤولية النظامية عند حدود المنشأة بصفتها الاعتبارية، بل تمتد لتشمل كل من ساهم أو أقرّ أو سكت عن المخالفة رغم علمه بها. فالموظف في إدارة الموارد البشرية الذي يُدخل بيانات غير صحيحة أو يعتمدها رغم علمه بعدم صحتها يعدّ فاعلًا أصيلًا في جريمة التزوير، والعامل الذي يوافق على تسجيل مسمّى وظيفي مخالف لعمله الفعلي يعدّ مشاركًا متى ثبت علمه بذلك. كما أن صاحب المنشأة أو مديرها المفوض، إذا ثبت أنه وجّه أو أقرّ هذا السلوك أو استفاد من نتائجه، فإنه يُسأل جنائيًا باعتباره شريكًا في الجريمة. ويترتب على ذلك مسؤوليات متعددة تشمل المساءلة الجزائية والإدارية، فضلًا عن إنهاء العلاقة التعاقدية، والترحيل والمنع من العودة لغير السعودي عند ثبوت القصد الجنائي.
وتنعكس خطورة هذه الممارسات أيضًا على الثقة في البيانات الحكومية، إذ تعتمد الجهات المختصة على المعلومات المسجّلة في الأنظمة لتحديد نسب التوطين وتقييم أداء السوق، وبالتالي فإن تزوير هذه البيانات يؤدي إلى نتائج مضللة تضرّ بالسياسات العامة للدولة، وتعيق جهودها في خلق فرص عمل حقيقية للمواطنين. كما أن استمرار مثل هذه الممارسات يشكل تهديدًا مباشرًا لبرامج التوطين التي بُنيت على أسس دقيقة من العدالة التنافسية، ويؤدي إلى فقدان الكفاءات الوطنية لفرص عادلة، وهو ما يتنافى مع مبادئ التنمية البشرية والاستدامة الاقتصادية التي تُعد ركيزة لرؤية 2030.
ومن زاوية اقتصادية، يُعتبر التحايل على التوطين تشويهًا لبنية سوق العمل، إذ يخلق سوقًا موازية تُدار فيها الأعمال بمسميات صورية، فيُحرم المواطن من الوظائف الحقيقية بينما تُمنح الفرص شكليًا، مما يُضعف كفاءة الإنفاق الحكومي على برامج التدريب والتأهيل، ويقلل من جدوى المبادرات الهادفة إلى رفع نسب التوطين النوعي. كما أن هذا السلوك يُفقد المنشأة مصداقيتها أمام الجهات الرقابية والمصارف وشركاء الأعمال، ويعرضها لعقوبات إدارية ومالية قد تصل إلى إيقاف الخدمات، والمنع من الاستقدام، وإدراجها في قوائم المتابعة النظامية، مما يؤدي في النهاية إلى خسائر اقتصادية تفوق بكثير ما ظنت أنها ربحته من التحايل.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن التحايل على التوطين يخلّ بمبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين، ويزرع شعورًا بعدم العدالة والتمييز، ويؤثر سلبًا في الانتماء المهني والولاء المؤسسي. كما أن العامل الأجنبي الذي يُمارس عملًا مخالفًا لمهنته المسجّلة يعيش وضعًا هشًا قانونيًا قد يعرضه للمساءلة والترحيل في أي لحظة، وهو ما يخلق بيئة عمل مضطربة غير مستقرة تفتقر إلى العدالة والشفافية. لذلك، فإن حماية النظام المهني والوظيفي من التحايل ليست مجرد حماية للأنظمة، بل هي صون لقيمة العمل واحترام للمواطن والمقيم والمؤسسة على حدّ سواء.
ومن المهم إدراك أن النية الحسنة أو الأعذار الإدارية لا تنفي المسؤولية النظامية متى ثبت القصد من التحايل أو استمراره بعد العلم بالمخالفة. فالتذرع بوجود “عقد داخلي” يوضح المهام الحقيقية لا يعفي من المسؤولية، لأن العبرة في نظر النظام هي بالحقيقة المسجلة في الجهات الرسمية، لا بما يتداول داخل المنشأة. كذلك، فإن تعديل المسمّى بعد اكتشاف المخالفة لا يمحو الأثر النظامي للمخالفة السابقة، بل قد يُعتبر قرينة على الاعتراف بالفعل. وقد أكدت الجهات المختصة مرارًا أن التلاعب في المسميات أو البيانات المهنية يُعد تزويرًا معنويًا متى أُريد به تغيير الحقيقة في محرر رسمي، وأن العقوبة في هذه الحالة ليست إدارية فقط بل جنائية، تشمل السجن والغرامة وفقًا لأحكام نظام مكافحة التزوير.
ولذلك، فإن الواجب على المنشآت وأصحاب العمل أن يتعاملوا مع مسألة المهن والتوطين بمسؤولية عالية، وأن يدركوا أن الالتزام الحقيقي لا يُقاس بعدد الموظفين المسجلين، بل بصدق الممارسة المهنية وجودة الامتثال الفعلي. كما يجب على العامل أن يكون واعيًا بحقوقه وواجباته النظامية، وألا يقبل بأي وضع يخالف مهنته الرسمية أو يعرّضه للمساءلة. وعلى إدارات الموارد البشرية أن تؤدي دورها الرقابي والأخلاقي في حفظ النظام، وألا تتحول إلى أداة لتجميل الواقع أو تمرير المخالفات.
إن التزام الجميع – منشآت وأفرادًا – بصدق البيانات والممارسات المهنية هو أساس بناء سوق عمل سعودي نزيه، قائم على الكفاءة والعدالة. أما التساهل في التحايل أو التغاضي عنه بحجة المصلحة أو الحاجة، فهو مساس مباشر بكرامة العمل وبثقة المجتمع في مؤسساته. وفي ظل التحول الرقمي المتسارع، أصبحت الأنظمة الحكومية أكثر قدرة على كشف التلاعب والتزوير عبر الربط الإلكتروني بين الجهات، مما يجعل فرص الإفلات من المسؤولية محدودة للغاية. لذا فإن الوقاية من الجريمة تبدأ بالوعي بها، وتجنّب الوقوع في أفعال ظاهرها البساطة وباطنها التزوير.
في الختام، إن ممارسة أعمال مخالفة للمهنة تحايلاً على التوطين ليست مجرد مخالفة نظامية يمكن تصحيحها بتسوية أو تعديل، بل جريمة تمسّ نزاهة البيانات الرسمية وثقة الدولة في مؤسساتها. وهي فعل تتعدد فيه المسؤوليات بين المنشأة والموظف والعامل، وتستوجب عقوبات جزائية وإدارية صارمة. وحين يدرك الجميع أن الحقيقة العملية هي المعيار، لا المسمّى الشكلي، وأن الالتزام بالنظام ليس عبئًا بل حماية للمنشأة والعامل والمجتمع، عندها فقط يتحقق الهدف الأسمى من التوطين: تمكين المواطن بعدالة، وبناء سوق عمل شفاف يقوم على الجدارة لا التحايل.





