Slaati
فوزية الشيخي

جارتي العجوز

منذ 2 ساعة01466

مشاركة

كانت لي جارةٌ عجوز، تقطن في حيّنا القديم قبل عدة سنوات. كانت تعيش في بيتها الصغير جدًا، الذي لا يلفت انتباه المارّة، كان ذلك البيت عبارة عن غرفة ضيقة وفناء بسيط، لا زخرف فيه ولا مظاهر غنى. غير أن هذا البيت المتواضع كان يخفي بين جدرانه ثراءً من نوع آخر، ثراءً لا يُقاس بالمال، بل يُوزن بالرحمة، ويُقدَّر بالإنسانية، ويُخلَّد بالأثر.

لم تكن تملك من الدنيا إلا القليل، لكنها امتلكت قلبًا يتسع للجميع.

عاشت تلك العجوز على الكفاف، لم تعرف الترف، ولم تشتكِ فقرًا، بل كانت غنيةً بما تملك من إيمان وقناعة. كانت ترى في العطاء نعمة، وفي المشاركة بركة، وفي خدمة الناس طريقًا إلى رضا الله. ورغم قلة ما في يدها، لم تتوقف يومًا عن البذل، وكأن العطاء كان خبزها اليومي الذي لا تستغني عنه.

كانت تستيقظ قبيل الفجر، في وقتٍ لا يزال فيه السكون يلف الأزقة، والظلام يعانق البيوت. تنهض بجسدٍ أنهكه العمر، ولكن بقلبٍ ما زال نابضًا بالحياة. تعجن بيديها، وتخبز خبزها، وتُعد طعامها، لا لنفسها، بل للعمّال والمارّة الذين يقودهم رزقهم عبر الطريق المجاور لبيتها.

كانت ما إن تنتهي من عملها ويخرج الخبز ساخنًا من التنور، حتى تجلس على عتبة باب بيتها، وأمامها سلة الطعام، ووجهها يفيض طيبةً ورضًا كانت تجلس تنتظر المارّة والعمّال الذين يخرجون باكرًا طلبًا للرزق. كانت توزع الخبز عليهم بابتسامة صادقة ودعاء خافت، كأنها تمنحهم جزءًا من روحها قبل أن تمنحهم رغيفًا من خبزها. لم تكن تسأل من هم، ولا من أين جاؤوا، ولا إلى أين يذهبون؛ كان يكفيها أنهم بشر فقط ، كانت تؤمن بأن في إعطائهم قُربةً إلى الله.

ظلّت تفعل ذلك يوميًا، لسنواتٍ طويلة، وبصمتٍ يليق بالعظماء، دون أن تدرك أنها تزرع في قلوب من حولها درسًا لا يُنسى، كانت توقن أن العطاء ليس فضلًا، بل رسالة، وأن الخير كلما خرج من القلب عاد إليه أضعافًا طمأنينةً وسكينة. تفعل ذلك وهي مؤمنةً بأن ما عند الله باقٍ، وأن العمل الصالح لا يضيع، وإن خفي عن أعين الناس.

تعاقبت الفصول، وبقيت هي ثابتةً على عادتها، حتى جاء اليوم الذي فارقت فيه الحياة، بهدوء يشبه هدوء أفعالها.

رحلت العجوز عن الدنيا في صمتٍ يشبه صمت حياتها، لكن أثرها لم يرحل. بقي أثرها حيًّا في الذاكرة، وفي قلوب أولئك الذين مرّوا يومًا بجوار بيتها، فوجدوا فيه أكثر من طعام ، وجدوا دفئًا، وكرامة، وإحساسًا بأن في العالم متسعًا للرحمة.

بقي خبزها رمزًا للعطاء وشاهدًا على أن الإنسان قد يرحل جسدًا، لكنه يبقى فعلًا وأثرًا. لقد علمتنا تلك العجوزان العطاء لا يحتاج إلى غنى، بل إلى قلبٍ حي، لقد تركت تلك العجوز إرثًا لا يُكتب في الوصايا، إرثًا عنوانه أن العطاء لا يبهت ولا يتلاشى، حتى وإن رحل صانعه. علمتنا أن الإنسان قد يكون فقيرًا في المظهر، غنيًّا في الأثر، وأن القلوب الكبيرة لا تحتاج إلى قصور لتسكنها، بل إلى نية صادقة وفعلٍ نقي.

رحمها الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدمته في ميزان حسناتها، وجعل قصتها شاهدًا على أن أجمل صور الرحمة لا تحتاج إلى ضجيج، وأن أبسط الأفعال، إذا صدقت نواياها، تتحول إلى نورٍ لا ينطفئ، وذكرى لا تموت.

التعليقات ()

مشاركة

أخر الأخبار

e04d5133-c767-47da-aa8f-046027709050.jpg

يايسلة على طاولة فرانكفورت لخلافة توبمولر

الرياض
منذ 15 دقيقة
0
1377
6ea5cfba-13e8-4dd9-a195-4328e7e002d3.jpg

الشباب ينتظر الاستدامة لحسم صفقة البليهي

الرياض
منذ 48 دقيقة
0
1463
91a8be01-14f6-4bfd-82ac-548949b1e366.jpg

تمبكتي يتصدر تصويت نجم الجولة الـ16 لدوري روشن

الرياض
منذ 1 ساعة
0
1525
G-fsRkFWEAIf9pL (1).jpg

الدرعية التاريخية قبل 55 عام

منذ 1 ساعة
0
1523
8956c954-02f9-4e9c-baf5-dc3dcf3a35b1.jpg

الأخضر يستعد للمونديال بمواجهة مصر وصربيا

الرياض
منذ 1 ساعة
0
1535
إعلان
مساحة إعلانية