لا تجعل آراء الآخرين مرآتك الوحيدة
في لحظةٍ ما من حياة الإنسان، قد لا يكون العائق الأكبر فشلاً حقيقياً أو نقصاً في القدرة، بل رأياً عابراً قيل عنه فصدّقه. كلمة واحدة، أو حكم متسرّع، قد يتحوّل من مجرد وجهة نظر إلى قيد داخلي يوجّه السلوك، ويعيد رسم حدود الطموح دون وعي. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما يصبح رأي الآخرين هو الحقيقة الوحيدة التي نرى أنفسنا من خلالها.
الرأي بطبيعته انعكاس لزاوية نظر محدودة، تحكمها تجربة شخصية، أو معرفة ناقصة، أو حتى مزاج لحظي. أما الحقيقة، فهي نتاج مسار طويل من المحاولة والتعلّم والتصحيح. ومع ذلك، يخلط كثيرون بين الرأي والحقيقة، فيمنحون أحكام الآخرين سلطة تعريف ذواتهم، وكأنها تقارير نهائية لا تقبل المراجعة.
الخطر لا يكمن في صدور الرأي، فذلك أمر لا مفرّ منه في أي مجتمع حي، بل في تصديقه دون مساءلة. حين يقتنع الإنسان بحكمٍ قيل عنه، يبدأ لا شعورياً في التصرف وفقه: يقلّل من محاولاته، يتجنب التحديات، ويخشى إثبات العكس. ومع الوقت، يتحوّل الرأي الخارجي إلى نبوءة ذاتية التحقّق، لا لأنها صحيحة، بل لأن صاحبها تصرّف على أساس أنها كذلك.
ورغم ذلك، لا يعني رفض تحويل آراء الآخرين إلى حقيقة أن نعيش في إنكار أو تعالٍ على النقد. فهناك فرق جوهري بين النقد البنّاء الذي يضيف وعياً ويكشف مناطق التحسين، وبين الحكم المجرد الذي لا يقدّم سوى الشك والإحباط. الوعي الحقيقي هو القدرة على التمييز: أن نستمع لما يطوّرنا، ونتجاوز ما يسعى لتقليصنا.
اللافت أن كثيراً من الإنجازات الكبرى وُلدت في بيئات مشككة، وأن أصحابها لم يكونوا الأكثر قبولاً في محيطهم، بل الأكثر تمسكاً برؤيتهم لأنفسهم. التاريخ لم يصنعه من انسجموا مع تصنيفات الآخرين، بل من تجرؤوا على كسرها.
في النهاية، السؤال الأهم ليس: ماذا قال الناس عنك؟ بل: من سمحت له أن يحدد قيمتك؟
فالحقيقة لا تُمنح، بل تُبنى؛ تُثبت بالفعل، لا بالكلام. ومن يحمي إيمانه بذاته، يمنح نفسه فرصة أن يصبح أكثر مما توقعه الآخرون .. وأكثر مما توقّعه هو نفسه.





