Slaati
نايف حمد النعامي

واو الجماعة.. حين يسقط الفعل

منذ 2 شهر01737

مشاركة

facebooktwitter
Threads
whatsapp
Snapchat

لم تكن واو الجماعة حرفًا عابرًا في دهاليز اللغة، بل كانت شجرةً قديمة تتكئ عليها الأفعال كي تُثبت وجودها.

حرفٌ كان يشبه يدًا تمتدّ من آخر الفعل لتقول له:

أنت لست وحدك… أنت حركة جمعٍ لا حركة فرد.

كانت الواو تُذكّرنا أن الحياة تُبنى بـ “نحن”، وأن الفعل لا يكتمل إلا حين يتشارك الناس حمله، كما تتشارك الأمواج دفع السفينة في عرض البحر.

فـ ذهبوا، شاركوا، حضروا، اجتمعوا لم تكن يومًا مجرد صيغ نحوية، بل كانت سلوكًا اجتماعيًا يمدّ جذوره في القلوب قبل السطور.

لكن… حين تغيّر الزمن، لم تتغيّر القواميس بقدر ما تغيّر الإنسان.

كبرت البيوت واتسعت، وصغرت الأرواح وتباعدت.

تجاورت المنازل ولم تتجاور القلوب، وصار كل واحد منا يعيش في غرفةٍ منعزلة، متصلاً بالعالم كله…

ومنفصلًا عمّن يجلس معه في البيت ذاته.

صرنا نكتب في اللغة: ذهبوا بينما في الواقع لا يذهب أحد.

ونقول: حضَروا بينما الحضور مجرد صورة في مجموعة واتساب، أو تعليقٍ سريع لا يشبه اللقاء ولا يقترب من دفئه.

وتحوّلت الجماعة من مفهومٍ وجدانيّ إلى “قائمة أسماء” في جهازٍ صغير يدّعي أنه جمع الناس… بينما هو لم يجمع إلا إشعاراتهم.

لم تكن واو الجماعة تتخيّل يومًا أنها ستبقى وحيدة في آخر الفعل تنتظر من يلتصق بها…

فلا تجد إلا فراغًا يشبه فراغ المجالس الحديثة، التي امتلأت بالأثاث وخَلَت من الوجوه.

أصبحت الواو تشبه جسورًا بلا عابرين، وصارت الجماعة التي كانت تُحاكم الأفعال مجرد ظلالٍ تتهادى بين جدران المنازل التي أغلق كل فرد باب غرفته فيها وأغلق معه باب قلبه.

باتت الأفعال اليومية تُدار عبر الشاشات، وصار اللقاء يُختصر في مكالمة، والصلة في “إعجاب”، والجلسة في “مساحة صوتية”، واجتماع العائلة في رسالةٍ مسجَّلة تُرسل بديلًا عن الحضور الحقيقي.

وهنا سقط الفعل… لا نحويًا، بل مجتمعيًا.

سقط حين فقدت الجماعة دورها، وحين أصبحت الواو بلا روح ولا فعلٍ يسندها، فبدت كعلامةٍ حزينة تقف خلف أفعالٍ لا تُمارَس ولا تتحقق في الواقع.

ورغم كل هذا، لا تزال الواو تؤمن بسرّها القديم: أن الفعل لا يُولد كاملًا إلا حين يتشارك الناس حمله، وأن الجماعة ليست إضافة صوتية بل إضافة روحية لا تستقيم الحياة من دونها.

وأن المستقبل — مهما ابتعد —
يمكن أن يعود إلى ضمير الجمع إن عاد الناس لبعضهم قبل عودتهم إلى أجهزتهم، وإن أدركوا أن أخطر سقوطٍ في اللغة ليس سقوط الحرف… بل سقوط المجتمع حين يفقد كلمة: معًا.

التعليقات ()

مشاركة

facebooktwitter
Threads
whatsapp
Snapchat

أخر الأخبار

466d3d20-523a-4e70-9e75-e053a9ae14c3.jpg

السالمي يحرز المركز الأول في منافسات CEI2 ببطولة الفرسان للقدرة

الرياض
منذ 2 دقيقة
0
1338
b3052aa7-494c-425f-8abd-a1bf75f4bead.jpg

غضب مدرب الفتح ولاعبيه على قرارات حكم القادسية .. فيديو

الرياض
منذ 5 دقيقة
0
1346
7c04acf6-a686-451e-9c84-59dfdca42b25.jpg

رحيل مطاوع بركات كبير معدي قناة العربية

خاص
منذ 7 دقيقة
0
1351
e46b496a-5d71-4436-bda5-28d435f809bc.jpg

ضبط عدد من المتهمين في قضايا إطلاق نار واعتداءات.. فيديو

الرياض
منذ 18 دقيقة
0
1377
af4fa803-8736-4c7c-bf2e-d439f24c303f.jpg

اهتمام سعودي وأوروبي بمدافع غريميو البرازيلي

الرياض
منذ 21 دقيقة
0
1383
واو الجماعة.. حين يسقط الفعل | صحيفة صدى الإلكترونية